تقارير

السعودية: شهادات حراس السجون كارثية وعلى المجتمع الدولي التحرك

عبرت منظمة معاً من أجل العدالة عن صدمتها إزاء التقرير الأخير الصادر عن منظمة “هيومان رايتس ووتش” والذي يتحدث عن شهادات وصلت للمنظمة من قبل حراس بعض السجون السعودية، سردوا فيها تفاصيل مروعة عن التعذيب الذي يتعرض له معتقلي الرأي والنشطاء (من الجنسين) على أيدي المحققين.

لطالما تحدث معتقلون سابقون أو أهالي معتقلين حاليين، رجال ونساء، عن تعرضهم للتعذيب الشديد والصعق الكهربائي والضرب والجلد والتحرش الجنسي، لكن السلطات السعودية رفضت التحقيق -بشكل مستقل وموثوق- في هذه المزاعم، ومع هذه الشهادات الجديدة نرى أنه من واجب المجتمع الدولي التحرك بصورة عاجلة لإنقاذ المعتقلين وتشكيل لجان مستقلة للتحقيق في هذه الشكاوى.

وبحسب تقرير “هيومن رايتس ووتش” فإنها “حصلت على مجموعة من الرسائل النصية من دون اسم في يناير/كانون الثاني 2021 من شخص يعرّف عن نفسه بأنه حارس سجن سعودي. تصف هذه الرسائل التعذيب وسوء المعاملة التي كان هو وغيره من حراس السجن شهود على ارتكابها من قبل محققين سعوديين ضد محتجزين بارزين في السجن ومدافعات عن حقوق الإنسان من منتصف إلى أواخر 2018”.

ونوهت المنظمة أن هذا الشخص صاحب الرسالة “رفض الكشف عن اسمه خوفا من الانتقام، لكنه وصف في رسائل نصية ما شاهده وأرسل رسائل نصية كانت وصلته من حراس سجن آخرين”.

واحتوت الرسائل على شهادات من سجن ذهبان -شمال جدة- وسجن آخر قال أحد الحراس إنه سجن سري، وتحدثت الرسائل عن تعذيب معتقلين تم إرسال أسمائهم لكن “هيومان رايتس ووتش” قررت حجب بعضها لأسباب أمنية تتعلق بسلامة هؤلاء المعتقلين.

من بين المعتقلين الذين تحدث عنهم “الحارس المجهول” كانت المدافعة البارزة عن حقوق المرأة “لجين الهذلول”، الذي قال عنها الحارس إنها تعرضت لتحرش جنسي مهين من قبل المحققين.

في رسالته، قال الحارس “تعرضت لجين الهذلول لتحرش جنسي لم أشهد مثله من قبل. كانوا يستمتعون بإهانتها. كانوا يسخرون منها لأنها متحررة، وأنها لن تمانع التحرش مثل وضع أيديهم في ملابسها الداخلية أو لمس فخذيها أو توجيه كلمات مهينة لها”.

الجدير بالذكر أن عائلة الهذلول ومنظمات حقوقية أخرى تحدثوا مراراً عما تعرضت إليه من اعتداءات وتحرش جنسي، وتم رفع دعوى أمام القضاء للتحقيق في هذه المزاعم، لكن وبكل أسف رفضت السلطات الدعوى بحجة نقص الأدلة، حيث أعلنت “النيابة العامة” في مارس/آذار 2019 أن مكتبها، الذي يتبع مباشرة للملك وولي العهد، و”هيئة حقوق الإنسان السعودية” الحكومية، و”الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان” أنها أجرت تحقيقات منفصلة في مزاعم التعذيب ولم تجد أي دليل يدعمها.

كما رفضت محكمة استئناف سعودية في فبراير/شباط الماضي، عقب الحكم والإفراج المشروط عن لجين، مزاعم الهذلول بأنها تعرضت للتعذيب داخل السجن، وقبل حوالي شهر، رفضت محكمة أخرى مزاعم تعرضها للتعذيب، لذات الأسباب.

لا يخفى على أحد أن أي من الهيئات التي تولت التحقيق في مزاعم تعرض لجين الهذلول للتعذيب لا تتمتع بأي استقلالية تمكنها من إجراء تحقيق نزيه وشفاف يحاسب المسؤولين عن تلك الانتهاكات.

شهادة أخرى تحدثت عن معاناة الناشط محمد الربيعة الذي اعتُقل مع المدافعات عن حقوق المرأة في مايو/أيار 2018، وحكم عليه من قبل محكمة الإرهاب السعودية في 20 أبريل/نيسان بالسجن ست سنوات بتهم تتعلق بنشاطه الحقوقي، ومن المقرر أن تصدر محكمة الاستئناف حكما نهائياً في قضية الربيعة في 27 يوليو/تموز.

جاء في الرسالة “كان الربيعة من بين الذين تعرضوا للتعذيب بما يفوق قدرته على التحمل، خاصة عندما علم المحقق أنه يعاني من آلام في الظهر، فبدأ يبدع بتعذيبه، مستهدفا أماكن مؤلمة بالفعل إلى حد أنه لم يعد قادرا على الذهاب إلى الحمام دون أن نساعده”.

يُذكر أن الناشط محمد الربيعة -وبحسب مصادر أخرى وتقارير حقوقية- تعرض لتعذيب شديد داخل محبسه كالصعق بالكهرباء والإيهام بالغرق والضرب الوحشي، كما كان يتم احتجازه في أماكن ضيقة دون السماح له بالنوم لأيام متواصلة، كما كان يتم تعليقه من قدميه، بالإضافة إلى حرمانه من الطعام في السنة الأولى من اعتقاله.

في رسائل أخرى، تم التحدث عن معتقل ومعتقلة حجبت “هيومان رايتس ووتش” هوياتهم من أجل سلامتهم، وبحسب الحارس، فإن مدافعة سعودية بارزة عن حقوق المرأة اعتقلتها السلطات السعودية في الحملة الواسعة التي بدأت في مايو/أيار 2018 “فقدت وعيها في إحدى جلسات تعذيبها، وشعرنا جميعا بالرعب. خشينا أن تكون ماتت وأن نتحمل المسؤولية، لأن التعليمات كانت بعدم قتل أي من المعتقلين، رجالا أو نساء”.

أما المعتقل “الذي حجبت المنظمة اسمه” جاء في إحدى الرسائل التي تلقاها الحارس الذي راسل هيومان رايتس ووتش، أن المحققين “لم يرحموا [تم حجب الاسم]… كنت أذهب إليه وأجده جثة هامدة وأتوقع أنه توفي، حتى يأتي الطبيب ويساعده بالمسكنات والأدوية الأخرى لإنعاشه، ثم يعذبونه مرة أخرى”.

إن هذه الشهادات كارثية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وتعكس عدم احترام السلطات السعودية لمبدأ سيادة القانون أو أدنى حقوق للإنسان، كما تؤكد وجود فساد كبير في المنظومة القضائية داخل المملكة، التي رفضت التحقيق في هذه المزاعم، وتركت الجناة والمعتدين دون محاسبة ينعمون في مناخ ضخم من الإفلات من العقاب يشجعهم على ارتكاب مزيد من الجرائم، ويؤكد لهم أنهم يستطيعون ممارسة التعذيب وانتهاك حقوق السجناء دون رقيب ولا حسيب.

لم تتحدث الشهادات عن معاناة جميع المعتقلين، لكن هناك الكثيرون يتعرضون آخرون لمعاملة قاسية مهينة، فضلاً عن الإهمال الطبي المتعمد كما يتم بحق الداعية سلمان العودة والشيخ سفر الحوالي وعبد الرحمن السدحان وغيرهم.

عدم فتح أي تحقيق مستقل في هذه المزاعم، أو محاسبة أي مسؤول سيحافظ على صورة المملكة مشوهة دولياً، ولن تفلح كافة محاولات النظام لتبييض جرائمه بالرغم من المليارات التي يتم انفاقها في سبيل ذلك.

نحن لم نجد أي سبب منطقي يُبرر للسلطات هذه المعاملة الوحشية للسجناء ومعتقلي الرأي الذين لم يرتكبوا أي جريمة سوى تمسكهم في حقهم -المكفول دولياً- في التعبير السلمي عن آرائهم مهما كانت مختلفة مع السلطات.

إننا نطالب المجتمع الدولي بالتحرك العاجل، كما نطالب المقرر الخاص بالأمم المتحدة المعني بمسألة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بتشكيل لجنة عاجلة من مراقبين دوليين ومستقلين للسفر للسعودية والتحقيق في مزاعم التعذيب وضمان حصول كافة المعتقلين على حقوقهم في محاكمة عادلة.

ونضم صوتنا لصوت “هيومان رايتس ووتش” في أن ممارسات النظام السعودي ضد حرية الرأي والتعبير وضد معتقلي الرأي ستظل عالقة بالقادة السعوديين ما لم يتخذوا خطوات عاجلة لوقف هذه الجرائم ومحاسبة الجناة مهما بلغت مناصبهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى