
تدين منظمة “معًا من أجل العدالة” استمرار احتجاز الناشطة الاجتماعية والإغاثية السعودية دلال الخليل، المعتقلة منذ 28 سبتمبر/أيلول 2017 ضمن حملة واسعة استهدفت أصحاب الرأي والنشطاء والدعاة والمستقلين في السعودية، قبل أن تصدر المحكمة الجزائية المتخصصة في الرياض بحقها حكمًا جائرًا بالسجن 18 عامًا في سبتمبر/أيلول 2021، بعد نحو أربع سنوات من الاحتجاز التعسفي دون تهمة واضحة أو محاكمة عادلة.
وتؤكد المنظمة أن قضية دلال الخليل تمثل واحدة من أكثر القضايا فجاجة في سجل القضاء السعودي المسيس؛ إذ تحولت أنشطة اجتماعية وإنسانية، شملت توزيع المساعدات الغذائية والسلال الرمضانية على الأسر الفقيرة والمحتاجة، إلى ملف أمني خطير أمام محكمة استُخدمت مرارًا لمحاكمة معتقلي الرأي، بدل أن تكون جهة لتحقيق العدالة.
اعتُقلت دلال الخليل مع زوجها إبراهيم أبا الخليل بعد مداهمة منزلهما في منطقة القصيم دون إجراءات قانونية شفافة، ومنذ ذلك الحين تحولت حياتهما إلى مثال صارخ على كيف يمكن للسلطات السعودية أن تجرّم العمل الخيري السلمي، وأن تعاقب من يساعد الفقراء بدل أن تحمي حقهم في النشاط المجتمعي والإنساني.
لم يكن نشاط دلال الخليل قائمًا على العنف أو التحريض أو أي عمل جنائي، بل على مبادرات إغاثية واجتماعية لخدمة المحتاجين. ومع ذلك، تعاملت السلطات مع هذه المبادرات بوصفها تهديدًا، في مشهد يكشف مدى اتساع تعريف “الأمن” داخل السعودية ليشمل حتى أعمال الرحمة والتكافل الاجتماعي عندما تصدر عن أشخاص لا يخضعون بالكامل للرواية الرسمية.
وتزداد خطورة القضية بالنظر إلى ارتباطها بسياق أوسع من العقاب الجماعي. فقد سبق أن دافعت دلال علنًا عن شقيقتها الداعية ضياء الخليل، المعتقلة منذ عام 2014 بعد رفعها لافتة تطالب بالإفراج عن أبنائها المعتقلين. وبهذا المعنى، لا تبدو قضية دلال منعزلة عن استهداف عائلي ممتد، حيث تُعاقب النساء لا فقط على أفعالهن، بل على قرابتهن ومواقفهن ودفاعهن عن أفراد أسرهن.
إن إصدار حكم بالسجن 18 عامًا بحق ناشطة اجتماعية بسبب عمل إنساني يمثل فضيحة قانونية بكل المقاييس. فالقضاء الذي يحوّل توزيع الغذاء على الفقراء إلى جريمة، ويعامل النشاط الإغاثي كتهديد أمني، لا يمارس العدالة، بل يؤدي دورًا سياسيًا في حماية السلطة من أي نشاط مستقل، حتى لو كان نشاطًا خيريًا بحتًا.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن دلال الخليل تتعرض داخل سجن الطرفية لظروف احتجاز قاسية، تشمل الإهمال الطبي والتجويع والتعذيب النفسي والحرمان من الحقوق الأساسية، وسط تدهور في وضعها الصحي. وتحمّل منظمة “معًا من أجل العدالة” السلطات السعودية المسؤولية الكاملة عن سلامتها الجسدية والنفسية، وعن أي تدهور يلحق بها نتيجة حرمانها من العلاج والرعاية اللازمة.
كما أن استمرار احتجاز زوجها إبراهيم أبا الخليل ضمن السياق نفسه يضاعف من الطبيعة الانتقامية للقضية، ويكشف أن السلطات لم تستهدف فردًا واحدًا فقط، بل عائلة ونشاطًا إنسانيًا كاملًا. فاعتقال الزوجين معًا بسبب عمل اجتماعي سلمي يعكس نمطًا من التنكيل الأسري والاجتماعي الذي يتجاوز حدود العقوبة الفردية إلى تفكيك الأسر ومعاقبة محيط كامل.
وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن المحكمة الجزائية المتخصصة، التي أصدرت الحكم بحق دلال الخليل، باتت تمثل إحدى أبرز أدوات تسييس القضاء في السعودية. فبدل أن تُستخدم لمحاكمة الجرائم الحقيقية، تحولت إلى منصة لإصدار أحكام قاسية ضد نشطاء وناشطات وأكاديميين ودعاة وأصحاب رأي، استنادًا إلى تهم فضفاضة وإجراءات تفتقر إلى الشفافية وضمانات الدفاع.
ومن الناحية الحقوقية، فإن استمرار سجن دلال الخليل يمثل انتهاكًا واضحًا للحق في الحرية والأمان الشخصي، والحق في المحاكمة العادلة، والحق في عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. كما أن حرمانها من الرعاية الطبية والغذاء الكافي، إذا ثبت، يرقى إلى معاملة قاسية تستوجب التحقيق والمساءلة.
وتطالب منظمة “معًا من أجل العدالة” بالإفراج الفوري وغير المشروط عن دلال الخليل وزوجها إبراهيم أبا الخليل، وإلغاء الحكم الجائر الصادر بحقها، ورد اعتبارها، وتعويضها عن سنوات الاحتجاز التعسفي وما تعرضت له من أضرار صحية ونفسية واجتماعية.
كما تطالب المنظمة بفتح تحقيق مستقل في ظروف اعتقالها ومحاكمتها واحتجازها، وضمان حصولها الفوري على الرعاية الطبية اللازمة، ومحاسبة كل من شارك في حرمانها من حقوقها الأساسية أو تعريضها للإهمال والتجويع وسوء المعاملة.
إن قضية دلال الخليل لا تكشف فقط مأساة ناشطة إغاثية خلف القضبان، بل تكشف خللًا عميقًا في منظومة العدالة السعودية، حيث يصبح العمل الإنساني تهمة، والمحكمة أداة انتقام، والرحمة فعلًا يستوجب العقاب. وبعد ما يقارب تسع سنوات من اعتقالها، تبقى دلال الخليل شاهدًا على نظام يخشى المبادرة المستقلة حتى حين تكون في صورة سلة غذاء تصل إلى أسرة فقيرة.



