تقارير

حجب أصوات المنفى داخل السعودية… X يمتثل لطلبات الرياض ويمنع الجمهور السعودي من الوصول إلى معارضين وحقوقيين في الخارج

تدين منظمة “معًا من أجل العدالة” الحملة الجديدة التي طالت عددًا من النشطاء والمعارضين والحقوقيين السعوديين المقيمين في الخارج، بعد تلقيهم إشعارات من منصة X تفيد بأن حساباتهم أو محتواهم حُجب داخل السعودية استجابة لطلبات رسمية من السلطات السعودية.

وتؤكد المنظمة أن خطورة هذه الحملة لا تكمن فقط في استهداف معارضين سعوديين، بل في طبيعة الحجب نفسه: فهؤلاء النشطاء ليسوا داخل المملكة، ولا تخضع حياتهم اليومية للسلطات السعودية بصورة مباشرة، لكن الرياض تسعى إلى منع المواطنين والمقيمين داخل السعودية من الوصول إلى أصواتهم، وقطع الصلة الرقمية بين الداخل والخارج.

بهذا المعنى، فإن الحجب ليس إسكاتًا كاملًا للحسابات على مستوى العالم، بل هو عزل رقمي للجمهور داخل السعودية. فالحسابات تبقى متاحة خارج المملكة، لكن من يعيشون داخلها يُمنعون من رؤية محتواها أو الوصول إليها، وهو ما يحوّل الفضاء الرقمي إلى حدود أمنية جديدة تتحكم فيها الدولة بما يمكن أن يراه الناس أو لا يروه.

وكان الباحث والمعارض السعودي عبد الله العودة، نجل الداعية المعتقل سلمان العودة، قد نشر إشعارًا من منصة X يفيد بأن المنصة تلقت طلبًا من هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية السعودية بشأن حسابه، وأنها حجبت محتواه داخل السعودية امتثالًا للقوانين المحلية. وأوضح العودة أن الأمر لا يقتصر عليه، بل طال عددًا من المعارضين السعوديين.

كما أعلن الناشط الحقوقي السعودي يحيى عسيري أن حسابه، وحساب منظمة القسط لحقوق الإنسان، وحساب حزب التجمع الوطني، وحسابات أعضاء في حزبه، أصبحت محجوبة داخل السعودية بعد طلب من جهة رسمية. واعتبر عسيري أن إسكات من يطالبون بالحقوق والديمقراطية والحرية هو رقابة صريحة لا يمكن تجميلها أو تبريرها.

ونشر الناشط أحمد الحكمي إشعارًا مشابهًا، منتقدًا خضوع منصة X وإيلون ماسك لأوامر الأنظمة الملكية في الخليج، ومشيرًا إلى التناقض الصارخ بين الخطاب المعلن عن حرية التعبير، وبين الامتثال لطلبات أنظمة تسجن وتقتل مواطنيها لمجرد التعبير عن الرأي.

إن تعدد هذه الإشعارات في وقت متقارب يكشف أن الأمر ليس إجراءً فرديًا ضد حساب بعينه، بل حملة رقابة موجهة تستهدف أصواتًا سعودية في المنفى، وتحاول حرمان الجمهور داخل المملكة من الوصول إلى خطاب حقوقي وسياسي مستقل يوثق الانتهاكات، ويدافع عن المعتقلين، ويناقش قضايا الديمقراطية والحقوق والحريات.

وتشدد منظمة “معًا من أجل العدالة” على أن استخدام عبارة “الامتثال للقوانين المحلية” لا يمكن أن يكون ذريعة كافية لتنفيذ طلبات رقابية صادرة عن دولة معروفة بتجريم الرأي السلمي. فالقوانين السعودية المتعلقة بالجرائم المعلوماتية وأمن الدولة والإعلام تُستخدم منذ سنوات ضد المغردين والنشطاء والأكاديميين والحقوقيين، وتحوّل التغريدة، وإعادة النشر، والتعليق، والتواصل الإلكتروني إلى أسباب للسجن والأحكام القاسية.

وعندما تمتثل منصة أمريكية كبرى مثل X لهذه الطلبات، فإنها لا تطبق قانونًا محايدًا، بل تساعد عمليًا سلطة قمعية على توسيع رقابتها إلى الفضاء العالمي. فالسلطات السعودية لا تستطيع اعتقال هؤلاء النشطاء المقيمين في الخارج بسهولة، لكنها تستطيع — عبر طلبات الحجب — منع صوتهم من الوصول إلى الداخل السعودي.

وهنا تكمن خطورة الحملة: إنها لا تستهدف فقط أصحاب الحسابات، بل تستهدف حق الجمهور داخل السعودية في المعرفة. فالمواطنون داخل المملكة هم الطرف الأكثر تضررًا من هذا الحجب، لأنهم يُحرمون من الاطلاع على روايات مستقلة حول الاعتقال التعسفي، والتعذيب، وأحكام الإعدام، والقمع السياسي، وانتهاكات حقوق الإنسان.

إن ما يجري يعكس شكلًا حديثًا من القمع العابر للحدود. فبدل أن تلاحق السلطات السعودية المعارضين في الخارج فقط عبر التهديدات أو حملات التشويه أو الضغط على عائلاتهم، باتت تستخدم المنصات الرقمية نفسها لعزلهم عن جمهورهم الطبيعي داخل المملكة. وهذه رقابة بوسائل تقنية، لكنها في جوهرها استمرار للمنطق الأمني نفسه: لا صوت مستقل يجب أن يصل إلى الداخل.

وتحذر المنظمة من أن تكرار استجابة شركات التكنولوجيا لمثل هذه الطلبات يحوّل المنصات العالمية إلى أدوات في يد الأنظمة الاستبدادية. فبدل أن تكون X مساحة مفتوحة للنقاش وكسر الاحتكار الرسمي للرواية، تصبح بوابة تسمح للسلطات القمعية بتحديد من يُسمع داخل حدودها ومن يُحجب.

إن حجب حسابات عبد الله العودة، ويحيى عسيري، وأحمد الحكمي، ومنظمة القسط، وThe_NAAS، وغيرهم من النشطاء والمعارضين السعوديين المقيمين في الخارج، لا يحمي قانونًا ولا يحفظ أمنًا عامًا، بل يحمي السلطة من المساءلة، ويمنع السعوديين في الداخل من التواصل مع أصوات سياسية وحقوقية لا تخضع للدولة.

وتطالب منظمة “معًا من أجل العدالة” منصة X بالكشف الكامل عن جميع طلبات الحجب التي تلقتها من السلطات السعودية، وبيان عدد الحسابات المتضررة، والمعايير التي اعتمدتها لقبول هذه الطلبات، والأساس القانوني الذي استندت إليه في حجب حسابات نشطاء ومعارضين يقيمون خارج السعودية عن الجمهور داخلها.

كما تطالب المنظمة برفع الحجب فورًا عن جميع الحسابات المستهدفة بسبب نشاطها السلمي، والالتزام بسياسة واضحة ترفض تنفيذ أي طلب حكومي يستهدف المعارضة السياسية، أو العمل الحقوقي، أو التوثيق المستقل للانتهاكات، أو الأصوات السعودية في المنفى.

وتدعو المنظمة الكونغرس الأمريكي والجهات الرقابية المعنية إلى التحقيق في امتثال شركات التكنولوجيا الأمريكية لطلبات رقابة صادرة عن حكومات استبدادية، خصوصًا عندما تستهدف معارضين ونشطاء يعيشون في الولايات المتحدة أو أوروبا أو دول أخرى، بهدف منع جمهورهم داخل بلدانهم الأصلية من الوصول إليهم.

إن هذه الحملة تكشف أن الأنظمة القمعية لم تعد تكتفي بالسيطرة على المجال العام داخل البلاد، بل تسعى إلى التحكم فيما يصل إلى مواطنيها من الخارج أيضًا. فالمعارض قد يكون في المنفى، لكن صوته يظل مستهدفًا داخل وطنه. والمنصة قد تكون أمريكية، لكن قرارها قد يتحول إلى أداة في يد جهاز رقابة سعودي.

وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن حجب أصوات المنفى داخل السعودية لن يمحو الحقيقة، بل يفضح خوف السلطات من وصولها إلى الناس. فالسلطة التي تطلب من منصة عالمية حجب الحقوقيين والمعارضين عن جمهورها لا تحمي القانون، بل تحاول عزل المجتمع عن كل صوت يطالب بالحرية والعدالة والمساءلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى