إصداراتتقارير

زيارة ابن سلمان للبيت الأبيض تثبّت المسار الأميركي–السعودي نحو التطبيع مع الاحتلال وتُقصي القضية الفلسطينية من الحسابات

شهد البيت الأبيض أمس لقاءً يعكس التحول الفعلي في أولويات كل من واشنطن والرياض، حيث استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في اجتماع اتسم بتركيز واضح على الملفات الأمنية والعسكرية وإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي، وفي مقدمتها تأسيس المسار السياسي الذي يسبق الخطوة النهائية في مشروع التطبيع بين السعودية والاحتلال الإسرائيلي.

منذ بداية العام، كانت المؤشرات السياسية تشير إلى رغبة أميركية في استئناف محاولة دمج إسرائيل في المنطقة من خلال اتفاقات أمنية واقتصادية واسعة. زيارة ابن سلمان أمس أكدت أن هذا المسار أصبح جزءًا من التفاهمات الكبرى بين الطرفين، وأنه لم يعد ملفًا هامشيًا أو فكرة مؤجلة، بل بندًا حاضرًا في الحسابات الاستراتيجية للطرفين، حتى في ظل الحرب المستمرة على غزة والجرائم الموثقة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية منذ أكتوبر الماضي.

خلال الأشهر الأخيرة، عملت واشنطن على إعادة بناء علاقتها مع ابن سلمان بصورة تُعيد له الشرعية الدولية التي تضررت منذ اغتيال جمال خاشقجي. استقبال رسمي داخل المكتب البيضاوي، دون أي ذكر للانتهاكات الحقوقية أو المعتقلين أو الملفات المؤجلة منذ سنوات، يؤكد أن الولايات المتحدة تتعامل اليوم مع السعودية باعتبارها شريكًا أساسيًا في مشروع تثبيت نفوذها الإقليمي، وأن إعادة تأهيل ابن سلمان سياسيًا هو جزء من هذا المشروع.

على الجانب السعودي، تُدرك الرياض أن التطبيع ليس مجرد قرار سياسي مرتبط بإسرائيل وحدها، بل بوابة تعزز موقعها في الخارطة الإقليمية الجديدة، وتمنحها دورًا محوريًا في أي ترتيبات اقتصادية أو أمنية مستقبلية. ومن الواضح أن القيادة السعودية ترى أن اللحظة الحالية — مع انشغال المجتمع الدولي بملفات أخرى وتراجع الضغط الأميركي في ملف حقوق الإنسان — مناسبة لدفع هذا المسار دون تكاليف سياسية كبيرة.

النتيجة المباشرة لهذا التحول هي وضع القضية الفلسطينية في موقع متراجع تمامًا داخل النقاشات الأميركية–السعودية. فالقضية لم تعد تُستخدم حتى كمرجع أخلاقي أو كشرط تفاوضي، بل تم تجاوزها بالكامل لصالح تفاهمات عسكرية ودفاعية تشمل ملفات صواريخ، اتفاقيات تكنولوجية، وتعاون استخباراتي واسع. الحديث عن غزة البشرية والدمار والانهيار لم يكن حاضرًا في محيط زيارة ابن سلمان، لا من واشنطن ولا من الرياض، وهو ما يعكس طبيعة الأولويات الجديدة بوضوح شديد.

إن منظمة معًا من أجل العدالة ترى أن استقبال ابن سلمان في هذا التوقيت — وفي ظل استمرار المأساة الفلسطينية، ووسط غياب أي مساءلة دولية — يعكس رغبة أميركية وسعودية في تثبيت مسار سياسي جديد تُهمّش فيه الحقوق الفلسطينية تمامًا. هذا المسار يرسخ عمليًا أن مستقبل المنطقة يُعاد تشكيله وفق مصالح عسكرية واقتصادية، وليس وفق استحقاقات العدالة أو القانون الدولي، ويمنح الاحتلال الإسرائيلي مكسبًا سياسيًا ضخمًا دون أي تكلفة أو التزام.

وتؤكد المنظمة أن تجاهل آثار هذا المسار على الفلسطينيين، وتحييدهم عن الحوار السياسي الجاري، سيترجم في الأشهر المقبلة إلى المزيد من الانتهاكات على الأرض، وإلى ترتيبات إقليمية تُبنى على حساب الضحايا الذين ما زالوا يعيشون تحت الحصار والعدوان المستمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى