
تذكّر منظمة “معًا من أجل العدالة” بقضية المحامي والحقوقي السعودي سلطان العجمي، المعتقل منذ أبريل/نيسان 2020 بعد نشره تغريدة رثاء في الدكتور عبد الله الحامد، رحمه الله، عقب وفاته داخل السجن. ومنذ اعتقاله، لا تزال أخباره مقطوعة تمامًا، دون إعلان رسمي عن مكان احتجازه أو وضعه الصحي أو القانوني.
بعد أكثر من ست سنوات، لم تعد قضية سلطان العجمي مجرد حالة اعتقال تعسفي، بل أصبحت نموذجًا واضحًا لاستخدام الإخفاء القسري كأداة لإسكات الأصوات الحقوقية في السعودية. فقد اعتُقل بسبب تعبير إنساني سلمي عن الحزن، لا بسبب دعوة إلى العنف أو التحريض أو ارتكاب فعل جنائي.
بدأت القضية بعد وفاة الدكتور عبد الله الحامد، أحد أبرز رموز الإصلاح والعمل الحقوقي في السعودية، داخل السجن إثر تدهور صحي حاد، وسط انتقادات حقوقية واسعة لظروف احتجازه والإهمال الطبي الذي تعرض له. وفي وقت عبّر فيه كثيرون عن حزنهم على وفاته، كتب سلطان العجمي كلمات رثاء على حسابه، فتحولت هذه الكلمات إلى سبب لاعتقاله وإخفائه.
إن تحويل الرثاء إلى ذريعة للاعتقال يكشف خطورة المناخ القمعي في السعودية، حيث لا يُلاحق الناس فقط بسبب معارضتهم السياسية، بل حتى بسبب تعاطفهم الإنساني مع معتقلي الرأي أو تضامنهم مع ضحايا الانتهاكات. فالكلمة، حتى حين تكون رثاءً، تصبح في نظر السلطات تهديدًا إذا ارتبطت بشخصية إصلاحية لا تريد الدولة إبقاء ذكراها حاضرة في المجال العام.
ومنذ اعتقاله، لم تكشف السلطات السعودية عن التهم الموجهة إلى سلطان العجمي، ولم تعلن عن أي مسار قضائي واضح أو محاكمة علنية، كما لم تتوفر معلومات موثوقة عن تمكينه من التواصل مع أسرته أو محاميه. هذا التعتيم الكامل يضع قضيته في إطار الاختفاء القسري المستمر، ويثير مخاوف جدية بشأن سلامته الجسدية والنفسية.
وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن الإخفاء القسري ليس مجرد غياب للمعلومات، بل انتهاك مركب يحرم الضحية من حماية القانون، ويحرم الأسرة من حقها في معرفة الحقيقة، ويفتح الباب أمام التعذيب وسوء المعاملة وانتزاع الاعترافات تحت الضغط بعيدًا عن أي رقابة مستقلة.
وتشير معلومات حقوقية متداولة إلى مخاوف بشأن تدهور الوضع الصحي لسلطان العجمي في ظل ظروف احتجاز قاسية وغياب الرعاية الطبية المناسبة. ومع استمرار الصمت الرسمي، تتحمل السلطات السعودية المسؤولية الكاملة عن حياته وسلامته وعن أي ضرر قد يكون لحق به خلال سنوات الاختفاء.
إن قضية سلطان العجمي تكشف مفارقة قاسية في السعودية: فبينما تروّج السلطات خارجيًا لصورة الإصلاح والانفتاح، تواصل داخليًا ملاحقة المحامين والحقوقيين وأصحاب الرأي بسبب تغريدة أو رثاء أو موقف إنساني. وبدل أن يُعامل المحامي كصوت قانوني يمارس دوره الطبيعي في الدفاع عن الحقوق، يُعامل كتهديد يجب عزله وإسكاته.
ومن الناحية القانونية، يمثل استمرار إخفاء سلطان العجمي انتهاكًا واضحًا للحق في الحرية والأمان الشخصي، والحق في التواصل مع الأسرة والمحامي، والحق في محاكمة عادلة وعلنية، والحماية من التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية. كما أن أي إجراءات قضائية محتملة بحقه لا يمكن أن تكون مشروعة إذا جاءت بعد سنوات من الإخفاء والحرمان من الضمانات الأساسية.
وتطالب منظمة “معًا من أجل العدالة” السلطات السعودية بالكشف الفوري عن مكان احتجاز سلطان العجمي، وتوضيح وضعه الصحي والقانوني، وتمكين أسرته ومحاميه من التواصل معه دون قيود، وضمان حصوله على الرعاية الطبية اللازمة.
كما تطالب المنظمة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه ما لم تكن هناك تهم قانونية واضحة ومعلنة ومعترف بها دوليًا، وفتح تحقيق مستقل في ظروف اعتقاله وإخفائه، ومحاسبة كل من شارك في حرمانه من حقوقه الأساسية.
بعد أكثر من ست سنوات من الصمت، يبقى السؤال قائمًا: أين سلطان العجمي؟ ولماذا يُخفى محامٍ سعودي بسبب كلمات رثاء؟ إن استمرار هذه القضية دون كشف للحقيقة يثبت أن السلطات السعودية لا تعاقب الجريمة، بل تعاقب الذاكرة، والتضامن، وكل صوت يرفض أن ينسى ضحايا القمع.



