إصداراتتقارير

وسام بحريني لسفير بريطاني: مكافأة سياسية لتبييض الاستبداد وشراء الصمت الدولي

أثار حصول السفير البريطاني لدى البحرين، أليستر لونغ، على “وسام البحرين” من الملك حمد بن عيسى آل خليفة انتقادات حقوقية وسياسية واسعة، بعدما أعاد المشهد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة العلاقة بين النظام البحريني والقوى الغربية، وحول الدور الذي تلعبه الدبلوماسية البريطانية في منح غطاء سياسي وأخلاقي لنظام يواصل قمع معارضيه وانتهاك حقوق مواطنيه.

وترى منظمة معًا من أجل العدالة أن الواقعة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجاملة بروتوكولية أو تكريمًا دبلوماسيًا عابرًا، بل باعتبارها جزءًا من سياسة أوسع يعتمدها النظام البحريني لتبييض صورته أمام المجتمع الدولي، وشراء النفوذ داخل العواصم الغربية، وتحويل علاقاته مع المسؤولين والدبلوماسيين إلى شهادات شرعية زائفة تغطي على واقع داخلي قائم على القمع والتعذيب وسحب الجنسيات وخنق الحياة السياسية.

فالنظام البحريني، الذي يقدّم نفسه للخارج كشريك مستقر ومنفتح، يواصل في الداخل إدارة دولة أمنية مغلقة، تُقمع فيها الأصوات المستقلة، وتُلاحق المعارضة السياسية، ويُعاقب النشطاء ورجال الدين والمدافعون عن حقوق الإنسان، بينما تُستخدم المؤسسات الرسمية والقضائية لتثبيت السيطرة على المجتمع وإفراغ المجال العام من أي معارضة حقيقية.

إن خطورة مشهد الوسام لا تكمن في صورته الرسمية فقط، بل في وظيفته السياسية. فالأنظمة الديكتاتورية لا تحتاج دائمًا إلى إنكار جرائمها، بل تسعى في كثير من الأحيان إلى دفنها تحت طبقات من العلاقات العامة، والتكريمات، واللقاءات الدبلوماسية، والشراكات الأمنية والاقتصادية. وهنا يصبح الوسام أداة تبييض، لا مجرد قطعة معدنية؛ ويصبح ظهوره على صدر مسؤول غربي رسالة موجهة إلى الداخل والخارج بأن النظام ما زال مقبولًا ومحميًا ومندمجًا في شبكة المصالح الدولية.

وتؤكد منظمة معًا من أجل العدالة أن البحرين تستخدم هذه الأدوات منذ سنوات لصناعة صورة مصطنعة عن “الإصلاح” و“الاستقرار”، بينما تستمر الانتهاكات الممنهجة ضد المعارضين والنشطاء والمواطنين المحرومين من حقوقهم الأساسية. فالدولة التي تُكرّم الدبلوماسيين الأجانب هي ذاتها الدولة التي شهدت اعتقالات تعسفية، واستهدافًا للمدافعين عن حقوق الإنسان، وسحبًا تعسفيًا للجنسية، وملاحقة للطائفة الشيعية ورجال الدين، وقمعًا متواصلًا لأي صوت سياسي مستقل.

وتأتي هذه الواقعة في سياق أكثر قتامة، مع استمرار الحديث عن وفاة سيد محمد الموسوي، البالغ من العمر 32 عامًا، داخل الحجز بعد إخفائه قسريًا، وظهور مؤشرات على تعرضه للتعذيب. إن نظامًا يواجه اتهامات بهذا الحجم لا يمكن أن يُسمح له باستخدام الدبلوماسية الغربية كواجهة ناعمة تخفي العنف الواقع خلف أبواب السجون ومراكز الاحتجاز.

وترى المنظمة أن المشكلة لا تقف عند حدود المنامة، بل تمتد إلى العواصم الغربية التي تواصل التعامل مع النظام البحريني كشريك طبيعي، رغم إدراكها الكامل لطبيعة حكمه وسجله الحقوقي. فبريطانيا، على وجه الخصوص، تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية مضاعفة، لأنها لا تكتفي بالصمت على الانتهاكات، بل توفر للنظام البحريني مساحة دبلوماسية تساعده على تسويق نفسه خارجيًا كحليف مقبول، رغم ما يمارسه داخليًا من قمع واستبداد.

إن قبول هذا النوع من التكريم، أو التغاضي عنه، يوجه رسالة قاسية إلى الضحايا وعائلات المعتقلين والمنفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان: أن مصالح الدول الكبرى أهم من العدالة، وأن العلاقات الأمنية والتجارية قادرة على ابتلاع كل الشعارات المعلنة حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. كما يوجه رسالة أخطر إلى الأنظمة القمعية نفسها مفادها أن بإمكانها مواصلة الانتهاكات، طالما أنها تحافظ على موقعها داخل منظومة المصالح الغربية.

وتشدد منظمة معًا من أجل العدالة على أن ما يجري ليس مجرد صمت دولي، بل تواطؤ عملي مع منظومة قمع تعرف جيدًا كيف تشتري النفوذ وتكافئ الصمت وتعيد تدوير صورتها عبر بوابات الدبلوماسية. فحين يتحول المسؤولون والدبلوماسيون السابقون والحاليون إلى جزء من شبكة علاقات تمنح الشرعية لنظام متورط في الانتهاكات، يصبح الحديث عن “القيم” الغربية فارغًا من أي مضمون حقيقي.

لقد أتقن النظام البحريني استخدام لغة الغرب ضده: يتحدث عن الاستقرار ليبرر القمع، وعن الإصلاح ليخفي غياب الديمقراطية، وعن الشراكة ليغطي على انتهاكات ممنهجة، وعن التعايش ليصرف الأنظار عن التمييز والاستهداف السياسي والطائفي. وفي المقابل، تواصل القوى الكبرى منح هذا النظام ما يحتاجه بالضبط: صمتًا، وصورًا رسمية، وشراكات أمنية، وتطبيعًا دبلوماسيًا يطمئن السلطة إلى أن جرائمها لن تكون عائقًا أمام علاقتها بحلفائها.

وتعتبر المنظمة أن هذه الواقعة تكشف خللًا عميقًا في السياسة البريطانية تجاه البحرين. فلا يمكن لحكومة تدّعي الالتزام بحقوق الإنسان أن تتعامل مع تكريم دبلوماسييها من نظام قمعي باعتباره مسألة شكلية، ولا يمكنها أن تتجاهل نمطًا متكررًا من محاولات المنامة اختراق الأعراف الدبلوماسية وتحويل المسؤولين البريطانيين إلى أدوات رمزية في ماكينة التبييض السياسي.

كما تؤكد المنظمة أن استمرار هذا المسار يهدد بتقويض ما تبقى من مصداقية الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان. فالدول التي تطالب خصومها باحترام القانون الدولي، لكنها تمنح حلفاءها الاستبداديين حصانة سياسية ودبلوماسية، لا تدافع عن منظومة قيم، بل تدير منظومة مصالح انتقائية تكافئ القمع حين يصدر عن حليف، وتدينه فقط حين يصدر عن خصم.

وتطالب منظمة معًا من أجل العدالة الحكومة البريطانية بفتح مراجعة شفافة بشأن هذه الواقعة، والكشف عن ملابسات حصول السفير البريطاني على الوسام، ومدى توافق ذلك مع قواعد وزارة الخارجية البريطانية الخاصة بقبول الأوسمة الأجنبية، وما إذا كانت السلطات البحرينية قد التزمت بالإجراءات المطلوبة قبل منح هذا التكريم. كما تطالب بمراجعة أوسع للعلاقات بين المسؤولين البريطانيين الحاليين والسابقين والمؤسسات البحرينية الرسمية وشبه الرسمية، خصوصًا تلك التي تُستخدم لتلميع صورة النظام في الخارج.

وتدعو المنظمة بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى وقف سياسة المجاملة مع النظام البحريني، وربط أي تعاون سياسي أو أمني أو اقتصادي معه بتحسينات حقوقية حقيقية، تبدأ بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ووقف الملاحقات ضد النشطاء والمعارضين ورجال الدين، وإنهاء سياسة سحب الجنسية التعسفي، وفتح تحقيقات مستقلة في قضايا التعذيب والوفاة داخل مراكز الاحتجاز، وضمان حق المواطنين في التعبير والتنظيم السياسي والعمل الحقوقي دون خوف من الانتقام.

إن النظام البحريني لا يحتاج إلى مزيد من الصور مع الدبلوماسيين، بل إلى مساءلة حقيقية عن القمع الذي يمارسه. ولا يحتاج الضحايا إلى بيانات غربية ناعمة عن “القلق”، بل إلى مواقف سياسية واضحة تضع حقوق الإنسان فوق المصالح الضيقة وصفقات النفوذ.

وتؤكد منظمة معًا من أجل العدالة أن الأوسمة لا تمحو التعذيب، والصور الرسمية لا تغسل الاستبداد، والشراكات الدبلوماسية لا تمنح الشرعية لنظام يواصل سحق مواطنيه. وما لم تتوقف القوى الكبرى عن حماية حلفائها القمعيين، فإنها ستظل شريكة في الجريمة السياسية والأخلاقية: جريمة تحويل حقوق الإنسان إلى سلعة قابلة للمساومة على موائد النفوذ والمصالح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى