تقارير

3226  يومًا في العزل الانفرادي… عوض القرني يواجه الإعدام بسبب تغريدات داخل زنزانة لا تتجاوز أمتارًا قليلة

تدين منظمة “معًا من أجل العدالة” استمرار احتجاز الشيخ الدكتور عوض القرني، الأكاديمي والداعية السعودي البالغ من العمر 69 عامًا، في ظروف بالغة القسوة منذ اعتقاله ضمن حملة سبتمبر/أيلول 2017، وذلك بعد كشف نجله أن والده أمضى كامل فترة احتجازه، التي وصلت حتى الآن إلى 3226 يومًا، داخل زنزانة انفرادية لا تتجاوز مساحتها مترين في أقل من مترين، مع حرمانه حتى من أداء صلاة الجمعة في مسجد السجن، بينما تواصل النيابة العامة المطالبة بإعدامه على خلفية تغريدات ونشاط رقمي سلمي.

إن هذا الكشف لا يضيف تفصيلًا عابرًا إلى قضية معروفة، بل يفضح مستوى غير مسبوق من التنكيل الممنهج. فاحتجاز رجل مسنّ لما يقارب تسع سنوات في عزل انفرادي كامل، داخل مساحة ضيقة، مع حرمانه من التواصل الطبيعي ومن ممارسة شعائره الدينية الجماعية، لا يمكن وصفه إلا كمعاملة قاسية ولاإنسانية، وقد يرقى إلى التعذيب النفسي والجسدي المحظور دوليًا.

اعتُقل الشيخ عوض القرني في سبتمبر/أيلول 2017 ضمن حملة واسعة استهدفت علماء ودعاة وأكاديميين ومفكرين وأصحاب رأي مستقلين، في واحدة من أبرز موجات القمع التي أعقبت صعود محمد بن سلمان إلى ولاية العهد. ومنذ ذلك الوقت، لم تكن قضيته قضية جنائية حقيقية، بل قضية رأي بامتياز، جرى فيها تحويل التعبير السلمي والنشاط الرقمي إلى اتهامات أمنية خطيرة.

وتتمثل جوهر الاتهامات الموجهة إليه في استخدامه وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها حسابه على تويتر باسمه الحقيقي، والتواصل عبر واتساب وتيليغرام، ونشر أو مشاركة آراء ومقاطع تتصل بالشأن العام والديني والسياسي. هذه الأفعال، التي تدخل في صميم الحق الطبيعي في التعبير، جرى تصويرها داخل المنظومة القضائية السعودية باعتبارها تهديدًا للأمن، لتصل النيابة العامة إلى المطالبة بإعدامه.

إن مطالبة النيابة العامة بإعدام رجل بسبب تغريدات وآراء لا تتضمن عنفًا أو تحريضًا تكشف حجم الانهيار في مفهوم العدالة داخل السعودية. فحين تصبح الكلمة سببًا لعقوبة الموت، وحين يتحول استخدام منصات التواصل إلى ملف “أمن قومي”، فإن القضاء لا يعود أداة لحماية المجتمع، بل يتحول إلى ذراع في آلة سياسية هدفها إسكات كل صوت مستقل.

وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن العزل الانفرادي المطول الذي يتعرض له الشيخ عوض القرني يمثل انتهاكًا صارخًا لقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، المعروفة بقواعد مانديلا، التي تعتبر العزل الانفرادي المطول شكلًا من أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية. وما يتعرض له القرني يتجاوز حتى حدود العزل المطول؛ إذ يمتد إلى آلاف الأيام، بما يحوّل السجن إلى أداة بطيئة لتدمير الجسد والعقل والذاكرة والكرامة.

ويزيد من خطورة القضية أن الشيخ القرني بلغ 69 عامًا، ما يجعل استمرار احتجازه في هذه الظروف الضيقة والمعزولة خطرًا مباشرًا على صحته وحياته. فالدولة التي تحتجز شخصًا مسنًا داخل زنزانة انفرادية طوال هذه المدة تتحمل مسؤولية كاملة عن أي تدهور صحي أو نفسي يلحق به، وعن كل أثر ناتج عن الحرمان من الحركة، والشمس، والتواصل، والرعاية الطبية، والصلاة الجماعية، والبيئة الإنسانية الطبيعية.

كما أن حرمانه من صلاة الجمعة حتى داخل مسجد السجن يكشف أن العقوبة لم تعد محصورة في سلب الحرية، بل امتدت إلى حرمانه من حقه في ممارسة شعائره الدينية الجماعية، وهو حق أساسي لا يجوز مصادرته إلا في أضيق الحدود ووفق مبررات قانونية واضحة، وهي مبررات لا تبدو قائمة في هذه الحالة.

وتشير شهادات أسرية وتقارير حقوقية إلى أن مسار قضيته شابه الإكراه والضغط وغياب ضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك مخاوف من انتزاع اعترافات تحت ظروف قاسية. وفي ظل هذه المعطيات، فإن أي حكم يصدر أو أي عقوبة تُبنى على إجراءات تفتقر إلى الشفافية والاستقلالية تفقد مشروعيتها القانونية والإنسانية، خاصة عندما تصل النيابة إلى المطالبة بعقوبة لا رجعة فيها مثل الإعدام.

قضية عوض القرني ليست حالة فردية منفصلة، بل جزء من نمط أوسع في السعودية، حيث تحوّل الفضاء الرقمي إلى مصيدة لمعتقلي الرأي. فقد اعتُقل وحوكم أشخاص بسبب تغريدات، أو إعادة نشر، أو آراء، أو تواصل إلكتروني، وصدرت بحق بعضهم أحكام قاسية لسنوات طويلة. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى الإنترنت كمساحة تعبير، بل كأرشيف اتهام تستخدمه السلطات لمعاقبة كل من خرج عن الرواية الرسمية.

وتؤكد المنظمة أن استمرار مطالبة النيابة بإعدام عوض القرني يمثل تصعيدًا بالغ الخطورة ضد حرية الرأي والتعبير، ورسالة ترهيب لكل صاحب رأي داخل المملكة وخارجها. فالمسألة لم تعد فقط احتجازًا تعسفيًا، بل تهديدًا بالقتل عبر القضاء بسبب نشاط رقمي سلمي.

ومن الناحية القانونية، فإن ما يتعرض له الشيخ عوض القرني يشمل سلسلة من الانتهاكات المركبة: الاحتجاز التعسفي، العزل الانفرادي المطول، الحرمان من الحقوق الدينية والإنسانية الأساسية، انتهاك ضمانات المحاكمة العادلة، والتهديد بالإعدام بسبب ممارسة الحق في التعبير. كما أن استمرار هذه المعاملة بحق شخص مسنّ داخل زنزانة بهذه الضيق يضع السلطات السعودية أمام مسؤولية مباشرة بموجب القانون الدولي، خاصة ما يتعلق بحظر التعذيب وسوء المعاملة.

وتحمّل منظمة “معًا من أجل العدالة” السلطات السعودية المسؤولية الكاملة عن حياة الشيخ الدكتور عوض القرني وسلامته الجسدية والنفسية، وتطالب بوقف فوري لأي مطالبة بإعدامه، وإسقاط جميع التهم المرتبطة بتغريداته وآرائه ونشاطه الرقمي السلمي.

كما تطالب المنظمة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه، وإنهاء عزله الانفرادي فورًا، وتمكينه من التواصل المنتظم مع أسرته ومحاميه، والسماح له بالحصول على رعاية طبية مستقلة، وضمان حقه في أداء شعائره الدينية دون تعسف أو انتقام.

وتدعو المنظمة الأمم المتحدة، والمقررين الخاصين المعنيين بالتعذيب، والإعدام خارج نطاق القضاء، وحرية الرأي والتعبير، والاحتجاز التعسفي، إلى التدخل العاجل في قضيته، والضغط على السلطات السعودية لوقف استخدام عقوبة الإعدام ضد أصحاب الرأي، وفتح تحقيق مستقل في ظروف احتجازه والعزل الطويل الذي تعرض له.

إن عوض القرني لم يحمل سلاحًا، ولم يدعُ إلى العنف، ولم يرتكب جريمة تستدعي السجن، فضلًا عن الإعدام. كل ما فعله أنه كتب وتواصل وعبّر عن رأيه. وبعد 3226 يومًا في زنزانة انفرادية ضيقة، يصبح السؤال الحقيقي ليس ما الذي فعله عوض القرني، بل ما الذي تخشاه سلطة تعاقب رجلًا مسنًا بهذه القسوة بسبب تغريدات؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى