النظام السعودي يواصل احتجاز الدكتور علي العمري منذ 2017 بعد تعذيبه وإغلاق مشروعه الإعلامي الشبابي
يمثّل اعتقال الأكاديمي والداعية الإسلامي والإعلامي البارز الدكتور علي العمري واحدة من أكثر القضايا دلالة على طبيعة القمع الذي يمارسه النظام السعودي ضد أي مشروع فكري أو إعلامي مستقل، حتى وإن كان مشروعًا إصلاحيًا وسطيًا، مناهضًا للتطرف، وموجّهًا للشباب بلغة عقلانية ومسؤولة.
اعتقل النظام السعودي الدكتور علي العمري في سبتمبر/أيلول 2017، ضمن حملة منظمة استهدفت العلماء والمفكرين والدعاة والإعلاميين الذين امتلكوا تأثيرًا حقيقيًا خارج سيطرة السلطة، في لحظة سياسية قرر فيها النظام إغلاق المجال العام بالكامل، وتجريم أي خطاب لا يصدر بإذن مباشر منه.
لم يكن العمري صاحب خطاب تصادمي أو تحريضي، بل على العكس، عُرف طوال سنوات بنهجه الوسطي، ودعوته إلى نبذ العنف والتطرف، ودعمه لقضايا المرأة، وإيمانه بدور الشباب في التغيير الإيجابي. وقد تجسّد هذا النهج بوضوح في مشروعه الإعلامي الأبرز قناة “فور شباب”، التي شكّلت مساحة غير مسبوقة للشباب العربي، وقدّمت محتوى ثقافيًا وتربويًا وإعلاميًا يعزّز التفكير النقدي، والانتماء، والهوية، بعيدًا عن خطاب الكراهية أو الغلو.
نجاح “فور شباب” وانتشارها الواسع بين الأجيال الشابة لم يُنظر إليه من قبل النظام السعودي بوصفه إنجازًا مجتمعيًا، بل كخطر يجب إزالته. فتم إغلاق القناة، وتجفيف مشروعها، ثم استهداف مؤسسها نفسه، في رسالة واضحة مفادها أن أي منصة شبابية مستقلة، حتى لو كانت إصلاحية وسلمية، غير مسموح لها بالاستمرار خارج الإطار الرسمي الذي يفرضه النظام.
بعد اعتقاله، وجّه النظام السعودي إلى الدكتور العمري أكثر من ثلاثين تهمة فضفاضة، من بينها “الإرهاب” و“تشكيل تنظيم شبابي سري”، في ادعاءات تتناقض كليًا مع طبيعة نشاطه العلني، المرخّص، والمعروف للجمهور. هذه التهم لم تكن سوى غطاء قانوني لتصفية مشروعه الفكري والإعلامي، وتجريم تأثيره الواسع بين الشباب.
منذ الأيام الأولى لاعتقاله، تعرّض الدكتور علي العمري لسلسلة انتهاكات جسيمة ترقى إلى مستوى التعذيب الممنهج. فقد وُضع في الحبس الانفرادي المطوّل لأكثر من خمسة عشر شهرًا، وتعرّض لتعذيب جسدي شديد شمل الضرب المبرح، والصعق بالكهرباء، وإطفاء السجائر في جسده، ما خلّف حروقًا وإصابات خطيرة. كما حُرم من التواصل مع أسرته، ومن أي زيارات أو مكالمات لفترات طويلة، في محاولة واضحة لكسره نفسيًا وعزله بالكامل.
أُحيل العمري لاحقًا إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في محاكمة سرية افتقرت إلى أبسط معايير العدالة، حيث مُنع من توكيل محامٍ للدفاع عنه، وطالب الادعاء بإنزال حكم الإعدام بحقه، في سابقة خطيرة تؤكد استخدام القضاء كأداة قمع سياسي، لا كسلطة مستقلة لتحقيق العدالة.
ومع استمرار احتجازه في ظروف غير إنسانية، تدهورت الحالة الصحية للدكتور العمري بشكل خطير، حيث أُصيب لاحقًا بـ فشل كلوي نتيجة التعذيب والإهمال الطبي المتعمد. ورغم خطورة وضعه الصحي، يواصل النظام السعودي حرمانه من الرعاية الطبية اللازمة، ومنع أسرته من الاطمئنان عليه، في ممارسة ترقى إلى القتل البطيء داخل السجن.
قضية الدكتور علي العمري ليست قضية فردية، بل نموذج فجّ لكيفية تعامل النظام السعودي مع الخطاب الديني الوسطي، والمشاريع الإعلامية الشبابية، وكل من يمتلك تأثيرًا حقيقيًا خارج منظومة الولاء المطلق. إغلاق قناة “فور شباب” واعتقال مؤسسها يختصران رسالة النظام: لا مساحة لأي وعي مستقل، حتى لو كان إصلاحيًا وسلميًا.
رغم المطالبات المتكررة من منظمات دولية، بينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية وخبراء في الأمم المتحدة، إضافة إلى منظمة معًا من أجل العدالة، يواصل النظام السعودي تجاهل جميع النداءات، ويتحمّل المسؤولية الكاملة عن حياة الدكتور علي العمري وسلامته الجسدية والنفسية.
تؤكد معًا من أجل العدالة أن استمرار احتجاز الدكتور علي العمري، في ظل هذه الانتهاكات الجسيمة، يُعد جريمة إنسانية مكتملة الأركان، وتطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه، وإلغاء جميع التهم الملفقة الصادرة بحقه، وضمان حصوله على العلاج العاجل، ومحاسبة كل من تورط في تعذيبه وانتهاك حقوقه.
وتدعو معًا من أجل العدالة المجتمع الدولي إلى تجاوز بيانات القلق، والتحرك الجاد لمحاسبة النظام السعودي على جرائمه بحق معتقلي الرأي، وفي مقدمتهم الدكتور علي العمري، الذي يُعاقَب لا لأنه حرّض على العنف، بل لأنه آمن بالشباب، وامتلك منصة تخاطبهم خارج وصاية السلطة.



