فرنسا تفتح تحقيقًا جديدًا في اغتيال خاشقجي… لكن العدالة المتأخرة لا تمحو سنوات التطبيع والتعاون مع النظام السعودي
أعلنت السلطات القضائية الفرنسية فتح تحقيق جديد في جريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، بعد تعيين قاضٍ للنظر في اتهامات تتعلق بالتعذيب والإخفاء القسري، في خطوة أعادت القضية مجددًا إلى الواجهة الدولية بعد سنوات من محاولات طيّها سياسيًا.
من جانبها ترحب منظمة “معًا من أجل العدالة” بأي مسار قانوني جاد يمكن أن يساهم في محاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة، خاصة بعد سنوات من محاولات طيّ الملف سياسيًا وإعلاميًا إلا أنها تؤكد في الوقت نفسه أن الشعوب والضحايا سئموا التحقيقات المتأخرة والعدالة الانتقائية، خاصة من الدول التي سارعت بعد الجريمة مباشرة إلى إعادة تطبيع علاقاتها مع النظام السعودي، واستئناف التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي معه رغم وضوح الحقائق المتعلقة بالقضية منذ سنوات.
وبحسب ما أُعلن، جاء فتح التحقيق الفرنسي بعد قرار من محكمة الاستئناف في باريس باعتبار الشكاوى المقدمة من منظمات حقوقية مقبولة قانونيًا، ليفتح ذلك جبهة قضائية جديدة في واحدة من أكثر الجرائم السياسية إثارة للصدمة خلال السنوات الأخيرة.
لكن منظمة “معًا من أجل العدالة” تؤكد أن حقيقة ما جرى لجمال خاشقجي لم تعد مجهولة أو غامضة حتى يحتاج العالم إلى سنوات إضافية لاكتشافها. فالجريمة وقعت داخل قنصلية رسمية، وأكدت تقارير استخباراتية دولية، من بينها تقارير أمريكية، مسؤولية أعلى مستويات السلطة السعودية عنها، كما اعترف ولي العهد السعودي نفسه بأن الجريمة وقعت “تحت إشرافه”.
ورغم هذا الوضوح، سارعت العديد من الحكومات الغربية، وفي مقدمتها فرنسا، إلى إعادة تطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية مع النظام السعودي بعد فترة قصيرة من الضجة الإعلامية، واستؤنفت صفقات السلاح والتعاون الأمني والاستثمارات المتبادلة وكأن شيئًا لم يحدث.
وتشير المنظمة إلى أن فرنسا كانت من أوائل الدول التي أعادت فتح أبواب التعاون الكامل مع الرياض، في وقت كانت فيه عائلة خاشقجي والمدافعون عن حقوق الإنسان يطالبون بمحاسبة حقيقية لا بمجرد بيانات سياسية مؤقتة أو تحقيقات رمزية.
كما أن هذه القضية تكشف مجددًا التناقض العميق في الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان، حيث تستمر الشراكات الاستراتيجية والمصالح الاقتصادية حتى مع الأنظمة المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، بينما يتم تأجيل العدالة أو إفراغها من مضمونها عبر الحصانات السياسية والصفقات الدبلوماسية.
وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن العدالة الحقيقية لا تتحقق فقط عبر فتح التحقيقات، بل عبر وجود إرادة سياسية مستقلة تسمح بمحاسبة فعلية لكل المسؤولين عن الجرائم، مهما كانت مناصبهم أو علاقاتهم الدولية.
كما تحذر المنظمة من أن الاقتصار على تحقيقات طويلة ومعقدة دون إجراءات عملية واضحة قد يحوّل القضية إلى مجرد أداة لتحسين الصورة السياسية لبعض الحكومات الغربية، بدل أن تكون مسارًا حقيقيًا لإنصاف الضحايا ومحاسبة الجناة.
وتشدد المنظمة على أن جريمة اغتيال جمال خاشقجي ليست حادثة معزولة، بل جزء من نمط أوسع من القمع والانتهاكات والاغتيالات والترهيب الذي يستهدف الصحفيين والمعارضين والناشطين السعوديين داخل البلاد وخارجها.
وفي هذا السياق، تدعو “معًا من أجل العدالة” إلى ضرورة تحويل هذه التحقيقات إلى مسار قانوني حقيقي وشفاف، يضمن عدم الإفلات من العقاب، ويعيد الاعتبار لمبادئ العدالة الدولية التي فقد كثيرون ثقتهم بها بسبب ازدواجية المعايير وتغليب المصالح السياسية على حقوق الضحايا.



