إصداراتتقارير

بعد 21 شهرًا من انتهاء محكوميته… النظام السعودي يواصل احتجاز الطبيب عامر الألمعي خارج إطار القانون

رغم مرور 21 شهرًا على انتهاء مدة الحكم الجائر الصادر بحق معتقل الرأي السعودي، الطبيب عامر الألمعي، تواصل السلطات السعودية احتجازه دون أي مبرر قانوني أو تفسير منطقي، في انتهاك سافر لكل المعايير القضائية والإنسانية. فمنذ سبتمبر/أيلول 2023، كان من المفترض أن يستعيد الألمعي حريته بعد أن قضى حكمًا بالسجن لمدة أربع سنوات ونصف، خُفف من حكم سابق بالحبس تسع سنوات ونصف، إلا أن النظام لا يزال يرفض إطلاق سراحه، ويُبقيه رهن الإخفاء القسري، دون أن يتمكن أفراد عائلته من معرفة مكانه أو التواصل معه بأي وسيلة.

عامر الألمعي، الذي اعتُقل في مارس/آذار 2019 من منزله في مدينة أبها خلال حملة قمع طالت عدداً من المفكرين والدعاة والإصلاحيين، تعرض للاختفاء القسري لشهور، حُرم خلالها من الاتصال بأسرته أو تعيين محامٍ، كما تعرض للتعذيب الجسدي والنفسي، قبل أن يُقدَّم إلى محاكمة تفتقر لأدنى معايير العدالة. لم يُمنح الألمعي حق الدفاع عن نفسه، ولم يُسمح له بالاطلاع على التهم الموجهة إليه مسبقًا، ولم تُعرض أية أدلة قانونية موثوقة لتبرير اعتقاله. ورغم ذلك، أصدرت المحكمة حكمًا قاسيًا بالسجن والتغريم، خُفف لاحقًا، لكن حتى بعد انقضاء المدة القانونية، يواصل النظام احتجازه دون مسوغ، في تجاوز فاضح للحد الأدنى من العدالة.

ما تعرض له الألمعي يعكس واقعًا مريرًا يتجاوز الأفراد إلى سياسة ممنهجة يتبعها النظام السعودي في التعامل مع أصحاب الرأي، حيث تُستخدم المحاكمات كغطاء شكلي لقمع الأصوات الحرة، وحين تنتهي الأحكام يتم الالتفاف عليها عبر الإبقاء على المعتقلين داخل السجون إلى أجل غير مسمى، وكأن السلطة ترفض حتى الاعتراف بقوانينها. هذه الممارسات تحوّل الجهاز القضائي إلى أداة أمنية لا علاقة لها بالعدالة، بل تعمل على ترسيخ ثقافة الخوف وتكريس الصمت القسري.

عامر الألمعي لم يكن يومًا مجرمًا ولا محرضًا، بل طبيب متخصص في الأمراض الباطنية، وخطيب معروف في أحد مساجد أبها، وناشط إنساني كرس جزءًا كبيرًا من حياته في خدمة النازحين وذوي الدخل المحدود. ومع ذلك، وجد نفسه في السجن، بلا محاكمة عادلة، وبلا تهمة حقيقية، فقط لأنه عبّر عن رأيه وخالف رواية السلطة.

ظروف احتجاز الألمعي، كسائر معتقلي الرأي، تفتقر إلى أبسط المعايير الدولية لحقوق الإنسان، إذ يتعرض المحتجزون لسوء معاملة مستمر، وحرمان من الرعاية الطبية، وتضييق في الاتصال بالعالم الخارجي، فضلًا عن التهديد الدائم بالتمديد والانتقام. وما استمرار احتجازه حتى اليوم إلا دليل إضافي على أن هذا النظام لا يعرف القانون إلا حين يخدم سلطته، ولا يعترف بالإنسان إلا حين يلتزم الصمت. إن منظمة “معًا من أجل العدالة” تجدد إدانتها الشديدة لاستمرار اختطاف الدكتور عامر الألمعي، وتطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه، كما تدعو المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والهيئات الأممية إلى ممارسة أقصى درجات الضغط على النظام السعودي لوقف سياساته القمعية، وإنهاء حالات الإخفاء القسري التي باتت سمة رئيسية في ممارساته ضد كل من يملك رأيًا مستقلًا. ما يحدث مع الألمعي ليس حالة فردية، بل هو عنوان لمرحلة يُداس فيها القانون تحت أقدام القمع، وتُكمم فيها الأفواه بالحديد والنار. وإن الصمت الدولي المستمر تجاه هذه الانتهاكات، لا يقل فظاعة عن الانتهاك ذاته، بل يمنح النظام غطاءً للاستمرار في سياساته بلا رادع. العدالة لا تُؤجل، والحرية لا تُساوَم، والحق لا يسقط بالتقادم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى