
استمرارًا لسياسات القمع التي ترافق مشروع مدينة “نيوم”، أقدمت قوات أمن الدولة السعودية مساء 16 يونيو/حزيران 2025، وبحضور رسمي من محافظ ضباء، على طرد والدة عبد الرحيم الحويطي وشقيقته قسريًا من منزلهما في قرية الخريبة، آخر من تبقى من السكان الأصليين في المنطقة، لتُعلن السلطة بذلك إنهاء الوجود البشري بالكامل في القرية من أجل إخلائها لصالح المشروع، الذي لم يجلب للسكان سوى النفي، والقتل، والاعتقال، والتشريد.
هذا التطور لا يمثل مجرد حادثة معزولة، بل هو امتداد مباشر لسلسلة من الانتهاكات التي رافقت مشروع “نيوم” منذ لحظته الأولى، بدءًا من التهديدات والإنذارات بالإخلاء القسري التي وُجّهت لسكان قرى تبوك في يناير/كانون الثاني 2020، مرورًا بجريمة اغتيال الناشط عبد الرحيم الحويطي برصاص قوات الأمن بعد رفضه تهجير أهله، وصولًا إلى أحكام الإعدام والسجن لعشرات أبناء القبيلة بسبب اعتراضهم السلمي.
الطرد الأخير لعائلة الحويطي تم تحت تهديد السلاح، بعد أن رفضت والدة عبد الرحيم مغادرة منزلها ما لم يتم الإفراج عن أبنائها المعتقلين قسرًا. بدلًا من التجاوب، اقتحمت القوات المنزل وطردتها هي وابنتها بالقوة، في مشهد يلخص جوهر المشروع: نيوم لا تُبنى إلا بالقمع.
وعلى مدى السنوات الماضية، وثّقت منظمة “معًا من أجل العدالة” عمليات التهجير القسري، والاعتقال التعسفي، والمحاكمات الصورية التي طالت أبناء قبيلة الحويطات، حيث وُجّهت لهم تهم تتعلق بـ”الإرهاب” لمجرد دفاعهم عن منازلهم وأرضهم. وقد صدرت بحق العديد منهم أحكام بالسجن بين 15 و50 سنة، في حين لا يزال آخرون على قوائم الإعدام حتى اليوم. ورغم الإفراج عن بعض المعتقلين مؤخراً، بينهم عبد الله دخيل الله الحويطي وثامر تيسير الحويطي، إلا أن القضية لا تزال قائمة، والمجرمون الحقيقيون هم من يواصلون بناء مشروع يطرد الناس من بيوتهم ويكافئ القتلة بالمناصب.
وفي الوقت الذي تسوّق فيه السلطات السعودية مشروع “نيوم” على أنه “مدينة المستقبل”، فإن الواقع على الأرض يكشف وجهًا آخر: مشروع قائم على القمع والدم، تُغسَل انتهاكاته بحملات ترويج وفعاليات دولية. مدينة تُقام على أنقاض قرى مهجّرة وسجون مفتوحة.
كما أن ما يحدث في نيوم يتكرر في مناطق أخرى، من بينها مدينة جدة التي شهدت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2021 عمليات هدم وإخلاء جماعي أثرت على مئات الآلاف من السكان، دون تعويضات أو بدائل حقيقية، في انتهاك صارخ للمعايير الدولية الخاصة بالسكن والكرامة الإنسانية.
رغم كل هذه الجرائم، يواصل المجتمع الدولي تجاهل ما يجري، بل ويكافئ النظام السعودي عبر تعاقدات وشراكات واستثمارات وصفقات استضافة. منح المملكة حق تنظيم كأس العالم 2034 رغم سجلها الدموي، لا يمثل مجرد تجاهل للانتهاكات، بل تواطؤًا واضحًا يشرعن الجريمة ويمنحها منصة عالمية.
في هذا الصدد، منظمة “معًا من أجل العدالة“:
- تدين جريمة الطرد القسري بحق عائلة الحويطي، وكل ما سبقها من انتهاكات مرتبطة بمشروع نيوم.
- تطالب بكشف مصير المعتقلين من أبناء قبيلة الحويطات والإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط.
- تدعو إلى فتح تحقيق دولي مستقل في جرائم التهجير والقتل والانتهاكات المرتبطة بمشاريع رؤية 2030.
- تدعو جميع المؤسسات والشركات والمستثمرين الدوليين إلى مراجعة شراكاتهم مع مشروع “نيوم”، الذي يُدار على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.
ويُحمّل فريق “معًا من أجل العدالة” المجتمع الدولي مسؤولية استمرار هذه الجرائم بسبب صمته وتطبيعه مع هذا النظام الدموي، مؤكدين أن حقوق الإنسان لا يجب أن تكون بندًا ثانويًا في ملفات التعاون والشراكة.



