الإفراج عن معتقلي الرأي ليس نهاية الطريق: العدالة تتطلب إصلاحات شاملة
الإفراج عن عدد من معتقلي الرأي في السعودية خلال الأشهر الأخيرة خطوة إيجابية، لكنها لا تعني انتهاء مسيرة النضال من أجل العدالة، فالاعتقال التعسفي الذي حرم هؤلاء الأفراد من سنوات من حياتهم ظلماً لا يمكن أن يُطوى دون محاسبة ومساءلة، ودون تعويضهم عن الانتهاكات التي تعرضوا لها. كما أن هذه الإفراجات لا يجب أن تكون مجرد محاولة لتخفيف الضغط الدولي أو تخدير الرأي العام عن مأساة بقية المعتقلين، الذين لا يزالون يعانون خلف القضبان في ظروف قاسية، محرومين من أبسط حقوقهم، وبعضهم مختفٍ قسريًا أو يواجه محاكمات جائرة لا تمت للعدالة بصلة.
على مدار الأشهر الماضية، أفرجت السلطات السعودية عن عدد من المعتقلين، من بينهم الأكاديمي والحقوقي محمد القحطاني، الذي أُطلق سراحه في يناير/كانون الثاني 2025 بعد 10 سنوات من الاعتقال، والمحامي والحقوقي عيسى النخيفي، الذي خرج من السجن في الشهر ذاته بعد 6 سنوات من الاحتجاز التعسفي. كما شمل الإفراج المحامي والناشط إبراهيم المديميغ، والطالبة سلمى الشهاب، التي أُفرج عنها في فبراير/شباط 2025 بعد تخفيف حكمها، إضافة إلى الناشط عبد العزيز العودة، الذي أمضى أكثر من 5 سنوات في السجن بسبب تعبيره عن آرائه بحرية.
ورغم أهمية هذه الإفراجات، إلا أن منظمة “معًا من أجل العدالة” تؤكد أن هذا ليس نهاية الطريق، بل هو بداية مرحلة لا بد أن تتواصل فيها الجهود لتحقيق إصلاحات جوهرية لضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات، ولإنهاء معاناة من لا يزالون رهن الاعتقال بسبب آرائهم أو نشاطهم الحقوقي. فلا يمكن النظر إلى هذه الإفراجات بمعزل عن آلاف المعتقلين الذين لا يزالون يقبعون في السجون السعودية، بعضهم في ظروف بالغة القسوة، محرومين من حقوقهم الأساسية، ومنهم من تعرض للإخفاء القسري أو صدرت بحقهم أحكام جائرة بعد محاكمات تفتقر إلى أبسط معايير العدالة.
علاوة على ذلك، لا يمكن اعتبار الإفراج عن هؤلاء انتصارًا كاملًا للعدالة في ظل استمرار التدابير القمعية بحقهم حتى بعد خروجهم، إذ تشير تقارير إلى فرض قيود على بعض المفرج عنهم، من بينها حظر السفر، والمنع من التصرف في الأموال، والإقامة الجبرية، والحرمان من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الإجراءات تعني أن السلطات لم تنه معاقبتهم بالكامل، بل نقلت القيد من السجن إلى الفضاء العام، مما يضعهم في دائرة عقاب مستمرة.
ومن هذا المنطلق، تشدد معًا من أجل العدالة على أن الإفراج عن معتقلي الرأي يجب أن يكون خطوة أولى في مسار إصلاحي متكامل يشمل: إلغاء جميع التدابير الاحترازية المفروضة عليهم، وتعويضهم عن السنوات التي قضوها في السجن ظلمًا، ومحاسبة كل من تورط في اعتقالهم وإساءة معاملتهم، وضمان عدم تكرار هذه الانتهاكات مستقبلًا. كما يجب أن تمتد هذه الإصلاحات إلى القوانين المنظمة لحرية التعبير، وإلغاء الأحكام الفضفاضة التي تجرّم النقد السلمي، وإصلاح لوائح السجون، وإعادة النظر في دور دوائر الإرهاب التي تحولت إلى أداة لقمع المعارضين السلميين.
إن تحقيق العدالة لا يقتصر على إطلاق سراح الأفراد، بل يشمل أيضًا ضمان عدم وقوع الانتهاكات مجددًا، وتعويض الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن القمع. وحتى يتحقق ذلك، ستظل معًا من أجل العدالة تواصل عملها لمناصرة جميع المعتقلين، وتسليط الضوء على الانتهاكات المستمرة، والمطالبة بإصلاحات حقيقية تضمن الحرية والكرامة لكل فرد داخل السعودية.



