
شهد هذا الأسبوع إحياء اليوم العالمي لمناهضة عمالة الأطفال، في وقت لا تزال فيه معاناة أطفال العمال المهاجرين في السعودية بعيدًا عن الأضواء، وبعيدًا عن أي اهتمام دولي أو رياضي حقيقي. هؤلاء الأطفال لا يواجهون الفقر وحدهم، بل يُجبرون على دفع ثمن فقدان آبائهم الذين لقوا حتفهم أثناء العمل في مشاريع بناء ترتبط مباشرة بكأس العالم 2034، دون أن يحصلوا على تعويض، أو يُفتح أي تحقيق في ملابسات الوفاة، أو يُعترف بحقهم في العدالة والإنصاف.
ما حدث مع محمد أرشد، العامل الباكستاني الذي لقي حتفه في مارس/آذار 2025 أثناء عمله في إنشاء ملعب أرامكو بمدينة الخبر، مثال حي على هذه المأساة. ترك أرشد وراءه ثلاثة أطفال صغار، بلا معيل، بعدما سقط من موقع عمل تابع للبنية التحتية الرياضية في السعودية، في حادث يشكل انتهاكًا بحد ذاته بسبب الإهمال المنتشر في أماكن البناء. لم تفتح السلطات أي تحقيق في وفاته، ولم تدفع أي تعويض لعائلته، بل جرى تسجيلها كوفاة طبيعية، كما تفعل السلطات عادة مع مئات الحالات المشابهة، لتغلق الباب أمام أي مساءلة.
حرمان الأسر من التعويض لا يعني فقط تجاهل حقوق الضحايا، بل يؤدي عمليًا إلى انهيار اقتصادي داخل تلك العائلات، يُجبر الأطفال على ترك مدارسهم والعمل من أجل البقاء. هكذا تتحول مشاريع الفيفا إلى مصانع لإنتاج عمالة الأطفال في نيبال وبنغلاديش وباكستان، دون أن تتحمل المؤسسة الدولية أي مسؤولية، رغم إقرارها السابق بواجبها الأخلاقي في تعويض ضحايا كأس العالم 2022 في قطر.
صمت الفيفا عن تكرار هذا النموذج في السعودية لا يمكن تفسيره إلا باعتباره شراكة كاملة في تبييض جرائم الاستغلال عبر ما يُعرف بالغسيل الرياضي، حيث تُمنح البطولات الكبرى لأنظمة قمعية، مقابل صفقات مالية وسياسية، دون أي اعتبار لحياة العمال أو مستقبل أطفالهم. الشرعية التي يحصل عليها النظام السعودي عبر الرياضة الدولية لا تنفصل عن مآسي العائلات التي تفقد معيلها في مواقع العمل، والتي تجد نفسها مجبرة على التضحية بأطفالها من أجل البقاء على قيد الحياة.
“معًا من أجل العدالة” تدين بشدة هذا التواطؤ الصامت، وتحمل النظام السعودي المسؤولية الكاملة عن ممارسات الاستغلال وسرقة الأرواح، كما تحمّل الفيفا جزءًا أساسيًا من المسؤولية، باعتبارها الجهة التي تمنح هذه المشاريع غطاءً دوليًا رغم كل التقارير الحقوقية الموثقة. لا يكفي الحديث عن “القيم الإنسانية” في بيانات الفيفا، ما لم يُترجم إلى التزام عملي تجاه الأسر المنكوبة والأطفال المهددين بالحرمان. إن استمرار هذا النهج يُنتج واقعًا لا تختلف فيه الملاعب عن المقابر، ولا تختلف فيه البطولات عن عقود إذلال. وإذا لم يُقابل هذا الواقع بإجراءات حقيقية، تبدأ بالتعويض الفوري وتصل إلى مراجعة آليات الاستضافة، فإن كل طفل يُنتزع من حقه في التعليم ويُدفع إلى العمل هو ضحية إضافية في رقبة الفيفا والعالم المتواطئ معها.



