
في عام 2017، اعتقلت السلطات السعودية الشيخ الدكتور عوض القرني، أستاذ القانون والداعية المعروف، في إطار حملة قمع واسعة استهدفت العلماء والمفكرين والنشطاء وأصحاب الرأي، ضمن سياسة ممنهجة لإسكات أي صوت مستقل أو ناقد. منذ ذلك الحين، أمضى الشيخ عوض ما يقارب سبع سنوات وتسعة أشهر في زنزانة انفرادية ضيقة، محرومًا من أدنى حقوقه الأساسية كمعتقل، في ظروف احتجاز قاسية تفتقر إلى المعايير الدولية للعدالة والكرامة الإنسانية.
التهم الموجهة إليه تنحصر في إدارة حساب على موقع تويتر باسمه الحقيقي، شارك فيه آراءً سياسية وفكرية ناقدة، وفي استخدامه لتطبيق واتساب للتواصل مع أصدقائه ومتابعيه، ومشاركة مقاطع مرئية تدعم بعض تيارات الإسلام السياسي في إطار مقاييس حرية التعبير المعمول بها في معظم دول العالم، إضافة إلى امتلاكه حسابًا على تطبيق تيليغرام. هذه الأفعال، التي يُفترض أنها تندرج في إطار التعبير السلمي عن الرأي، حوّلتها النيابة العامة السعودية إلى تُهم كبرى تستوجب الإعدام، بحجة أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في هذا السياق يُعد تمردًا على الدولة وتهديدًا للأمن القومي.
إن الاستناد إلى مثل هذه التهم الواهية يُعد نموذجًا فاضحًا لتسييس القضاء واستخدامه أداة للانتقام السياسي، حيث تُوظف القوانين بشكل تعسفي لتجريم الحريات، ويتم تصوير النقد السلمي كجريمة كبرى. لقد أشارت تقارير حقوقية متعددة، واستنادًا إلى ما قاله نجله ناصر القرني، فإن اعترافات الشيخ انتُزعت تحت الإكراه، في بيئة أمنية تُعرف باستخدام أساليب التعذيب الجسدي والنفسي خلال التحقيقات. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مشروعية الإجراءات القضائية المتخذة ضده، ويُسقط عنها أي صفة من صفات العدالة أو النزاهة.
لم يكن اعتقال الشيخ عوض القرني حالة منفردة، بل يأتي في سياق تصاعدي لحملة شرسة استهدفت الآلاف من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في المملكة، وجرى خلالها اعتقال مواطنين ومواطنات لمجرد إبداء آرائهم، أو حتى لمجرد إعادة نشر تغريدات أو تسجيلات تُخالف مزاج السلطة. حالات مثل سلمى الشهاب، التي حُكم عليها بالسجن 34 عامًا، ونورة القحطاني التي نالت حكمًا بالسجن 45 عامًا، كلها تؤكد أن حرية التعبير أصبحت تهمة في السعودية، وأن الفضاء الرقمي تحوّل إلى مصيدة للمعارضين.
تتحمل السلطات السعودية كامل المسؤولية عن استمرار احتجاز الشيخ عوض القرني في ظروف انفرادية قاسية ومهينة، دون محاكمة عادلة، ودون تهمة حقيقية. كما أن استمرار المطالبة بإعدامه، استنادًا إلى تغريدات وآراء فكرية، يُعد سابقة خطيرة تمس جوهر الحق في حرية الرأي، وتكشف عن حجم التغول الأمني والسياسي على الحياة العامة في المملكة، بالإضافة إلى ذلك، فإن إبقاء رجل في العقد السادس من عمره في زنزانة انفرادية لما يقارب ثماني سنوات، هو انتهاك صارخ لكل المواثيق الحقوقية الدولية، خاصة وأن الحبس الانفرادي في حد ذاته يعتبر عقوبة إضافية لمن يرتكب انتهاكات من السجناء، وهو ما لم يفعله الشيخ القرني.
إننا نطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عن الشيخ عوض القرني، وندعو المجتمع الدولي، ومنظمات حقوق الإنسان، والهيئات الأممية المعنية، إلى تحمل مسؤولياتهم القانونية والإنسانية في الضغط على السلطات السعودية لإنهاء هذا الظلم الجسيم. كما ندعو كل الأحرار حول العالم إلى مواصلة التضامن مع معتقلي الرأي في السعودية، ورفض سياسة كم الأفواه التي تسعى إلى خنق الحريات وتدجين المجتمع. استمرار الصمت يعني الإقرار الضمني بهذه الانتهاكات، وفتح المجال أمام مزيد من القمع والإعدامات باسم القانون، بينما الحقيقة أن الجريمة الوحيدة التي ارتكبها الشيخ عوض القرني هي استخدام الكلمة.



