عام على إعدام تركي الجاسر: حين قتلت السعودية صحفيًا من معتقلي الرأي باسم القانون
بعد مرور عام على إعدام الصحفي والمدوّن السعودي تركي الجاسر في 14 يونيو/حزيران 2025، تجدد منظمة “معًا من أجل العدالة” مطالبتها بمرتكبي هذه الجريمة التي مثّلت محطة خطيرة في مسار قمع الصحافة وحرية الرأي في السعودية، ليس فقط لأنها أنهت حياة صحفي بسبب آرائه، بل لأنها فعلت ذلك عبر حكم قضائي رسمي حوّل القتل إلى إجراء قانوني، والتصفية السياسية إلى عقوبة باسم الدولة.
لم يكن تركي الجاسر أول صحفي سعودي يُقتل بسبب كلمته. فقد سبقه الصحفي جمال خاشقجي، الذي اغتيل غدرًا داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018 في جريمة اختطاف وقتل وحشية هزّت العالم. لكن جريمة تركي الجاسر حملت دلالة أخرى لا تقل خطورة: خاشقجي قُتل خارج القانون، أما الجاسر فقُتل بأمره. الأول اغتيل سرًا داخل بعثة دبلوماسية، والثاني أُعدم علنًا تحت غطاء القضاء. وفي الحالتين، كانت الرسالة واحدة: لا أمان لأي صحفي أو صاحب رأي يخرج عن الرواية الرسمية.
اعتُقل تركي الجاسر في مارس/آذار 2018 بعد كشف هويته كصاحب حساب “كشكول” على منصة تويتر، وهو حساب عُرف بانتقاداته للسلطات السعودية وكشفه جوانب من الفساد والقمع داخل المملكة. ومنذ لحظة اعتقاله، دخل الجاسر في مسار طويل من الإخفاء والحرمان من الحقوق القانونية، حيث انقطعت أخباره عن أسرته لفترات طويلة، وحُرم من التواصل المنتظم ومن الحصول على دفاع قانوني فعّال، قبل أن تنتهي قضيته بحكم إعدام تعزيري استند إلى اتهامات فضفاضة من قبيل “الخيانة” و”زعزعة أمن الدولة”.
إن إعدام صحفي بعد سنوات من الاعتقال والإخفاء والتعذيب المزعوم لا يمكن اعتباره تنفيذًا للعدالة، بل هو جريمة قتل سياسي ممنهجة ارتُكبت عبر مؤسسات الدولة. فالسلطات السعودية لم تكتفِ باعتقال الجاسر بسبب رأيه، بل استخدمت القضاء لإضفاء شرعية شكلية على تصفيته، في سابقة بالغة الخطورة ضد الصحافة وحرية التعبير داخل المملكة.
وتؤكد منظمة “معًا من أجل العدالة” أن قضية تركي الجاسر تكشف كيف تحولت المحكمة وأدوات القانون في السعودية إلى وسائل لإسكات الصحفيين والمعارضين بدل حمايتهم. فعندما تصبح التغريدة أو الحساب المجهول أو النقد السلمي دليلًا على “الإرهاب” أو “الخيانة”، تصبح العدالة نفسها جزءًا من آلة القمع.
كما لا يمكن تجاهل البعد الرقمي في هذه الجريمة. فقد ارتبط اعتقال الجاسر بكشف هويته الرقمية وتسريب بيانات معارضين سعوديين عبر موظفين سابقين في تويتر لصالح السلطات السعودية، في واحدة من أخطر قضايا استهداف المعارضين عبر المنصات الرقمية. وهذا يضع مسؤولية إضافية على شركات التكنولوجيا التي فشلت في حماية مستخدمين لجأوا إلى الفضاء الرقمي باعتباره آخر مساحة ممكنة للتعبير.
وبعد عام على إعدامه، لا تزال جريمة تركي الجاسر تكشف حجم التواطؤ الدولي مع النظام السعودي. فبدل أن يؤدي قتله إلى عزلة سياسية ومحاسبة دولية، واصلت حكومات وشركات ومؤسسات رياضية وثقافية التعامل مع الرياض كدولة “منفتحة” و”إصلاحية”، بينما يستمر قتل وسجن أصحاب الرأي خلف هذه الواجهة. إن الصمت على إعدام صحفي من معتقلي الرأي ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في تطبيع الجريمة.
وتشدد المنظمة على أن تركي الجاسر لم يكن مجرمًا، ولم يكن خطرًا أمنيًا، بل كان صحفيًا وصاحب رأي استخدم الكلمة لكشف ما أرادت السلطة إخفاءه. لذلك، فإن إعدامه لم يكن عقابًا على فعل إجرامي، بل عقابًا على المعرفة، وعلى النقد، وعلى كسر الخوف.
وتطالب منظمة “معًا من أجل العدالة” بفتح تحقيق دولي مستقل في إعدام تركي الجاسر، وفي ظروف اعتقاله ومحاكمته وما تعرض له من إخفاء وتعذيب مزعوم، ومحاسبة جميع المسؤولين عن إصدار وتنفيذ هذا الحكم، بمن فيهم المسؤولون الأمنيون والقضائيون المتورطون في القضية.
كما تدعو المنظمة الأمم المتحدة، والمقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء، والمقرر الخاص المعني بحرية الرأي والتعبير، إلى التعامل مع إعدام الجاسر باعتباره جريمة ضد حرية الصحافة، لا شأنًا داخليًا سعوديًا. وتطالب كذلك شركات التكنولوجيا، وفي مقدمتها منصة تويتر/إكس، بتحمل مسؤوليتها عن حماية بيانات المستخدمين، والكشف الكامل عن أي تعاون أو اختراق أو تسريب أدى إلى تعريض معارضين وصحفيين للخطر.
بعد عام على قتله، يبقى تركي الجاسر شاهدًا على مرحلة لم تعد فيها السعودية تكتفي بخنق الصحافة داخل السجون، بل وصلت إلى حد إعدام الصحفيين باسم القانون. وهذه الجريمة لن تسقط بالتقادم، ولن يغطيها المال أو الاستثمارات أو البطولات الرياضية أو حملات التلميع، لأنها ستظل دليلًا على أن سلطة تخشى الكلمة إلى هذا الحد لا يمكن أن تكون سلطة إصلاح، بل سلطة تخاف الحقيقة وتقتل من يكتبها.



