تقارير

عصام الزامل… خبير اقتصادي في السجن لأنّه حذّر من تبديد الثروة العامة

تجدد منظمة معًا من أجل العدالة تسليط الضوء على قضية الخبير الاقتصادي السعودي عصام الزامل، الذي قضى قرابة تسع سنوات خلف القضبان، في واحدة من أكثر القضايا دلالة على تجريم الرأي المهني المستقل في المملكة.

اعتُقل الزامل في سبتمبر/أيلول 2017 ضمن حملة واسعة استهدفت أكاديميين ومفكرين ودعاة، بالتزامن مع صعود محمد بن سلمان إلى ولاية العهد. لم يكن الزامل ناشطًا سياسيًا، بل خبيرًا اقتصاديًا معروفًا بمشاركته العلنية في النقاشات المتعلقة بالسياسات المالية وإدارة الموارد العامة. كتب باسمه الصريح، وانتقد توجهات إنفاق اعتبرها محفوفة بالمخاطر، وحذّر من التوسع في استثمارات خارجية غير مدروسة قد تُحمّل الاقتصاد الوطني أعباءً جسيمة. بعد أيام قليلة من مشاركته الرسمية في وفد رافق الملك سلمان إلى الولايات المتحدة، تحول إلى متهم تُنسب إليه تهم فضفاضة من قبيل “تهديد الوحدة الوطنية” و“الإضرار بالنسيج الاجتماعي”.

ظل الزامل محتجزًا قرابة ثلاث سنوات دون محاكمة، قبل أن تصدر المحكمة الجزائية المتخصصة حكمًا بسجنه 15 عامًا بعد جلسات سرية لم تُعلن تفاصيلها للرأي العام. لم تُعرض أدلة قانونية واضحة تبرر الإدانة، ولم يتمتع بحقوق الدفاع الكاملة، في محاكمة افتقرت إلى ضمانات الشفافية والاستقلال القضائي. إن طول فترة الاحتجاز السابق للمحاكمة، وسرية الإجراءات، وطبيعة التهم، تثير مجتمعة شكوكًا جدية بشأن عدالة المسار القضائي برمته.

وخلال سنوات احتجازه، تعرض الزامل – وفق تقارير حقوقية – لسوء معاملة شمل فترات طويلة من الحبس الانفرادي، وقيودًا مشددة على التواصل مع أسرته، وحرمانًا من الرعاية الطبية المناسبة. هذه الظروف لا تمثل فقط معاناة فردية، بل تعكس نمطًا أوسع في التعامل مع معتقلي الرأي، حيث يُستخدم العزل والضغط النفسي كوسائل لإخماد الصوت المستقل.

المفارقة أن التحذيرات التي أطلقها الزامل قبل اعتقاله تحققت لاحقًا في بعض الملفات الاقتصادية. فقد أُقر رسميًا بخسائر بمليارات الدولارات تكبدها صندوق الاستثمارات العامة في استثمارات خارجية، من بينها صفقة بنك “كريدي سويس”، في سياق أثار تساؤلات حول آليات الحوكمة وإدارة المخاطر. وهي قضايا كان الزامل قد دعا إلى مناقشتها علنًا، مطالبًا بترشيد الإنفاق وتعزيز الشفافية والمساءلة.

إن استمرار سجن خبير اقتصادي بسبب آرائه المهنية يبعث برسالة مقلقة مفادها أن النقد القائم على المعرفة يُعامل كتهديد، وأن النقاش الاقتصادي الحر يُصنَّف كخطر أمني. مثل هذا المناخ لا يحمي الاقتصاد ولا يعزز الثقة، بل يقوض بيئة التفكير المستقل ويضعف القدرة على تصحيح الأخطاء.

تؤكد معًا من أجل العدالة أن احتجاز الدكتور عصام الزامل يشكل انتهاكًا لحرية الرأي والتعبير، ويقوّض حق المجتمع في الاستفادة من خبرات أبنائه. وتطالب المنظمة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه، وضمان مراجعة مستقلة وعادلة لقضيته، وفتح تحقيق في ظروف احتجازه والمعاملة التي تعرض لها.

إن قضية عصام الزامل ليست مجرد ملف فردي، بل مؤشر على المساحة المتاحة للتفكير المستقل في السعودية اليوم. وحين يُعاقَب الخبير بسبب رأي اقتصادي، فإن الخسارة لا تقع عليه وحده، بل على المجتمع بأكمله الذي يُحرم من صوت نقدي كان يمكن أن يسهم في تصويب المسار بدل إسكاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى