منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2019، لا يزال الشاب السعودي بندر الجحدلي رهن الحبس الاحتياطي في سجون المملكة، دون محاكمة، ودون أن يُعرض على أي جهة قضائية مختصة، ودون السماح له بتوكيل محامٍ أو ممارسة أبسط حقوقه القانونية. أكثر من خمس سنوات قضاها الجحدلي خلف القضبان فقط لأنه عبّر عن مطلب مشروع، وانتقد علنًا ارتفاع معدلات البطالة في بلاده، وطالب بحقه في وظيفة تحفظ له كرامته كمواطن سعودي.
ما جرى مع بندر الجحدلي، من لحظة الاعتقال حتى اليوم، يمثل انتهاكًا فادحًا للضمانات القانونية المكفولة في النظام الأساسي للحكم في السعودية ذاته، وفي نظام الإجراءات الجزائية، ناهيك عن خرق واضح لالتزامات السعودية الدولية، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي تنص المادة (9) منه على أن “لكل فرد حق في الحرية وفي الأمان على شخصه”، وتحظر المادة ذاتها الحبس التعسفي والاحتجاز دون محاكمة عادلة.
تم القبض على الجحدلي في أعقاب نشره تغريدة على موقع “تويتر” في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، انتقد فيها الأوضاع المعيشية الصعبة وتصاعد نسب البطالة، وأكد على حقه كمواطن في الحصول على وظيفة في ظل وعود الحكومة بتحقيق رؤية 2030 وما ترفعه من شعارات حول التنمية وتمكين الشباب. إلا أن تعبيره عن هذا الرأي، بأسلوب سلمي لا يتضمن أي تحريض أو إساءة، قوبل باعتقال تعسفي وسوء معاملة، وفقًا لمصادر مقربة من العائلة.
منذ ذلك الحين، تم اقتياد الجحدلي إلى جهة غير معلومة، ومُنع من التواصل مع محامٍ أو معرفة طبيعة التهم الموجهة إليه، إن وجدت أصلًا، ما يؤكد أن احتجازه لا يستند إلى أي أساس قانوني. ولم تُعرض قضيته على المحكمة، كما لم تُمدد فترة حبسه الاحتياطي بأمر قضائي معلن وفق ما تقتضيه القوانين السعودية. بل إن استمرار حبسه إلى اليوم يُعد خرقًا صريحًا حتى للحد الأقصى المسموح به قانونًا للحبس الاحتياطي في السعودية، والذي لا يجوز أن يتجاوز ستة أشهر دون إحالة للقضاء.
إن منظمة “معًا من أجل العدالة” تدين استمرار احتجاز بندر الجحدلي خارج إطار القانون، وتحذّر من تعرضه لأي شكل من أشكال الضغط النفسي أو الجسدي داخل السجن، بما في ذلك إجباره على توقيع اعترافات أو الإدلاء بأقوال تحت التعذيب أو التهديد. كما تؤكد المنظمة أن هذا النمط من الانتهاكات لم يعد سلوكًا معزولًا بل بات جزءًا من سياسة ممنهجة لقمع المواطنين والناشطين، وترهيب كل من يجرؤ على انتقاد السياسات الحكومية أو المطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسية.
إن استمرار احتجاز الجحدلي في الحبس الاحتياطي لمدة تجاوزت خمس سنوات يُعد انتهاكًا صارخًا لمبادئ المحاكمة العادلة، ويمثل حالة احتجاز تعسفي مكتملة الأركان وفق المعايير المعتمدة لدى الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي بالأمم المتحدة. كما أن منع الجحدلي من التواصل مع محامٍ يشكل مخالفة خطيرة لمبدأ الحق في الدفاع المكفول في المادة (14) من العهد الدولي المذكور.
إن منظمة “معًا من أجل العدالة” تُحمّل السلطات السعودية المسؤولية الكاملة عن سلامة بندر الجحدلي الجسدية والنفسية، وتطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه، مع فتح تحقيق مستقل في أسباب وظروف احتجازه، وتعويضه عن الضرر الذي لحق به نتيجة هذا الاعتقال الجائر. كما تطالب المنظمة بوضع حد نهائي لاستخدام الحبس الاحتياطي كأداة قمع سياسي وإسكات ممنهج للأصوات المطالبة بالإصلاح، خصوصًا في ظل ما تشهده المملكة من تدهور في الحريات العامة، وتوسع في دائرة الاستهداف لكل من يعبّر عن رأيه بشكل سلمي.
وتجدد “معًا من أجل العدالة” دعوتها إلى المجتمع الدولي، بما فيه الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والاتحاد الأوروبي والمنظمات الحقوقية المستقلة، لممارسة ضغط حقيقي وفعّال على السلطات السعودية من أجل وقف انتهاكاتها المنظمة، وضمان الإفراج الفوري عن كافة معتقلي الرأي، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الممارسات غير القانونية أمام آليات العدالة الدولية.
إن قضية بندر الجحدلي تفضح التناقض الصارخ بين ما تعلنه السعودية من إصلاحات، وما تمارسه فعليًا من قمع ممنهج ضد من يطالب بحقه في العمل والكرامة. فلا رؤية تنجح فوق السجون، ولا تنمية تتحقق في ظل تكميم الأفواه.



