بينما تُقصف الرياض ويسقط الضحايا.. تركي آل الشيخ مشغول بطمأنة جمهور الملاكمة
في الوقت الذي كانت فيه السعودية تستوعب صدمة هجمات الحوثي دامية استهدفت مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وأسقطت قتلى ومئات الجرحى وهددت سلامة المسافرين والطيران المدني، اختار رئيس هيئة الترفيه تركي آل الشيخ أن يخرج على الجمهور بخبر اعتبره جديرًا بالاحتفاء: الملاكم المكسيكي كانيلو ألفاريز لن يتراجع عن نزاله المقرر في الرياض، و«لا يخشى شيئًا».
لا تكمن المشكلة في استمرار فعالية رياضية أو في محاولة الدولة الحفاظ على نشاطها الطبيعي خلال الأزمة، بل في الطريقة التي صيغ بها الخطاب وفي ترتيب الأولويات الذي كشفه. ففي لحظة كان يفترض أن تتجه فيها الكلمات الأولى إلى الضحايا وعائلاتهم، وإلى المصابين والمسافرين والعمال الذين وجدوا أنفسهم وسط الهجمات، تحولت المأساة إلى مناسبة لاستعراض ولاء ملاكم أجنبي لموسم الرياض، واعتبار مشاركته دليلًا على الصداقة والشجاعة.
دماء في المطار وحديث عن حلبة الملاكمة
أسفر الهجوم الذي استهدف مطار الرياض في 10 أكتوبر/تشرين الأول عن مقتل ما لا يقل عن 12 شخصًا وإصابة أكثر من 300، بينهم مواطنون ومقيمون من جنسيات متعددة. وتعرّض المطار في اليوم التالي لهجوم جديد أصاب إحدى صالات الركاب وتسبب في وفاة وإصابات إضافية، وسط تعطّل الرحلات وصدور تحذيرات سفر وتعليق عدد من شركات الطيران عملياتها.
كما كانت منشآت المطار وطائرة مدنية سعودية قد تعرضت لهجمات سابقة خلال الأسبوع نفسه، أقرت بها الهيئة العامة للطيران المدني وأعلنت أنها أوقعت قتلى ومصابين وأضرارًا مادية. وبذلك لم تكن المملكة أمام حادث محدود أو تهديد نظري، بل أمام تصعيد عسكري مباشر طال مرفقًا مدنيًا حيويًا وعرّض حياة الآلاف للخطر.
ومع ذلك، كتب تركي آل الشيخ أن كانيلو تواصل معه وأكد أنه سيقاتل في الرياض «مهما حدث»، ثم أضاف: «إنه لا يخشى شيئًا»، قبل أن يصف المملكة بأنها أرض السلام والأمان، ويقول إن الأوقات الصعبة تكشف الأصدقاء الحقيقيين. ويأتي ذلك استعدادًا للنزال المقرر في 31 أكتوبر/تشرين الأول أمام كريستيان مبلي.
هذه ليست رسالة طمأنة مدروسة بقدر ما هي محاولة لاستبدال الواقع بصورة دعائية. فالأمن لا يُثبت بعبارة حماسية، والخطر لا يختفي لأن ملاكمًا قرر الصعود إلى الحلبة، وسلامة العاصمة لا تُقاس بقدرة هيئة الترفيه على إبقاء عرض رياضي في موعده.
متى أصبحت المخاطرة بالأرواح دليلًا على الشجاعة؟
وصف قرار كانيلو بأنه لا «يخشى شيئًا» يحمل في داخله استخفافًا غير مقبول بالمخاوف المشروعة. الخوف من السفر إلى مدينة تعرض مطارها لهجمات متكررة ليس جبنًا، والقلق على سلامة اللاعبين والجمهور والعمال والصحفيين ليس خيانة أو تخليًا عن الصداقة.
تقييم المخاطر مسؤولية مهنية وأخلاقية، لا اختبار للرجولة أو الولاء. ومن حق كل مشارك في الحدث أن يحصل على معلومات أمنية شفافة، وأن يعرف خطط الإجلاء والحماية، وأن يتخذ قراره بعيدًا عن الضغوط الدعائية. كما أن واجب الجهة المنظمة لا يقتصر على إقناع النجم الرئيسي بالحضور، بل يشمل ضمان سلامة كل عامل ومتفرج وموظف وسائق ومسعف سيشارك في إقامة الحدث.
أما عبارة «الأوقات الصعبة تكشف الأصدقاء الحقيقيين»، فتنقل النقاش من سؤال السلامة إلى امتحان الولاء: من يأتي إلى الرياض صديق شجاع، ومن يتردد أو ينسحب قد يُصوَّر كأنه تخلى عن المملكة. وهذا خطاب عاطفي لا يليق بإدارة أزمة تمس الطيران المدني وحياة البشر.
أين الضحايا من خطاب رئيس هيئة الترفيه؟
كان بوسع تركي آل الشيخ أن يبدأ حديثه بتعزية عائلات القتلى، والاطمئنان على مئات المصابين، والإشادة بفرق الإنقاذ والطواقم الطبية، ثم يوضح أن قرار إقامة النزال سيخضع لتقييم الجهات الأمنية المختصة.
لكنه اختار أن يجعل الخبر الرئيسي هو استمرار كانيلو في القتال. وكأن الأولوية، وسط الدماء التي سقطت في المطار، هي حماية جدول موسم الرياض وضمان ألا تهتز صورة السعودية باعتبارها عاصمة للرياضة والترفيه.
هذا الاختيار ليس تفصيلًا لغويًا. إنه يكشف كيف بات المشروع الترفيهي السعودي يتعامل مع كل أزمة باعتبارها تهديدًا للصورة ينبغي احتواؤه، لا مأساة إنسانية تستوجب أولًا الاعتراف بحجمها واحترام ضحاياها ومصارحة المجتمع بتداعياتها.
رئيس هيئة الترفيه ليس مسؤولًا عسكريًا أو أمنيًا، ولا يُطلب منه إدارة الرد على الهجمات. لكن حين يقرر التعليق على الأزمة من موقعه الرسمي، فمن حق الجمهور أن يسأله: هل أصبحت أهم رسالة لديه بعد سقوط هذا العدد من الضحايا هي أن نزال الملاكمة سيقام في موعده؟ وهل تحول استمرار العرض إلى إنجاز وطني يسبق في أهميته الحديث عن المصابين وأمن المدنيين؟
الترفيه باعتباره جبهة لحماية الصورة
أنفقت السعودية خلال السنوات الماضية موارد هائلة لتحويل الرياض إلى مركز عالمي للملاكمة والرياضة والعروض الكبرى. وأصبح تركي آل الشيخ واحدًا من أكثر الشخصيات نفوذًا في عالم الملاكمة، مستفيدًا من التمويل السعودي لاستقطاب أبرز النجوم وتنظيم النزالات الضخمة.
لكن هذا التوسع ظل مرتبطًا بانتقادات «الغسل الرياضي»، أي استخدام البطولات والنجوم العالميين لتلميع صورة الدولة وصرف الأنظار عن القمع الداخلي والانتهاكات الحقوقية. وقد وثقت منظمات حقوقية كيف تزامنت الاستثمارات الرياضية مع الاعتقالات، وقمع حرية التعبير، والأحكام القاسية، والإعدامات والانتهاكات المرتبطة بالحرب في اليمن.
واليوم يظهر وجه آخر للمشكلة: لم يعد الترفيه وسيلة لتغطية الانتهاكات الحقوقية وحدها، بل أصبح ستارًا لمحاولة إنكار هشاشة المشهد الأمني نفسه. فبدل الاعتراف بأن الهجمات الغادرة فرضت خطرًا حقيقيًا يستوجب المراجعة والشفافية، يجري تقديم بقاء ملاكم أجنبي في جدول الفعاليات باعتباره انتصارًا معنويًا ورسالة بأن كل شيء على ما يرام.
لكن ليس كل شيء على ما يرام. المطار تعرض للقصف، ومدنيون قُتلوا، ومئات أُصيبوا، وشركات طيران علّقت رحلاتها، وحكومات حذرت مواطنيها. لا تستطيع حلبة مضاءة ولا نجم عالمي ولا منشور حماسي أن تمحو هذه الوقائع.
الدولة ليست موسمًا ترفيهيًا
من حق الشعب السعودي أن يعيش وأن تستمر الفعاليات وألا تحقق الهجمات أهدافها في نشر الذعر وتعطيل الحياة. لكن استمرار الحياة لا يعني إنكار الخطر، ولا تحويل المأساة إلى حملة دعائية، ولا اختزال صمود بلد كامل في حضور ملاكم إلى الرياض.
الصمود الحقيقي يبدأ باحترام الضحايا، وكشف الحقائق، وحماية المدنيين، ومراجعة أوجه القصور التي سمحت بوصول الهجمات إلى منشأة شديدة الحساسية. ويبدأ أيضًا بالتوقف عن التعامل مع صورة المملكة في الإعلام الدولي باعتبارها أهم من سلامة من يعيشون فيها.
لقد كانت هجمات الحوثيين على المنشآت المدنية اعتداءات غادرة تستوجب الإدانة والمحاسبة. لكن إدانة المهاجمين لا تعفي المسؤولين السعوديين من واجب الخطاب المسؤول، ولا تمنحهم الحق في التعامل مع الدماء باعتبارها مجرد عقبة أمام جدول الترفيه.
كان الأولى بتركي آل الشيخ أن يرى في اللحظة جرس إنذار وطنيًا، لا فرصة جديدة للترويج لنزال ملاكمة. فالدولة التي تُقصف مطاراتها لا تحتاج إلى من يخبرها أن ملاكمًا «لا يخشى شيئًا»؛ بل تحتاج إلى مسؤولين يدركون أن حياة إنسان واحد أهم من كل الحلبات والبطولات والصور الدعائية.



