بعد أكثر من خمس سنوات على اعتقاله، لا يزال الصحفي اليمني علي محسن أبو لحوم خلف القضبان في السعودية، يقضي حكمًا بالسجن لمدة 15 عامًا بسبب منشورات منسوبة إلى حسابات مجهولة على منصة تويتر، رغم نفيه المتكرر أي صلة له بها. وتجدّد منظمة «معًا من أجل العدالة» مطالبتها بإسقاط الحكم الصادر بحقه والإفراج الفوري وغير المشروط عنه، مؤكدة أن قضيته تستدعي تحركًا حقوقيًا دوليًا جادًا لإنهاء معاناته.
اعتُقل أبو لحوم في 23 أغسطس/آب 2021 بمدينة نجران، بعدما استُدعي من جهة عمله، قبل أن يُحتجز على خلفية اتهامات تتعلق بنشر محتوى إلكتروني. وكان قد غادر اليمن عام 2015 وعمل في المجال الإعلامي، من بينها إذاعة «يمن تايمز» وقناة «الوادي» التلفزيونية، ليجد نفسه بعد سنوات من الإقامة والعمل في السعودية أمام محاكمة انتهت بعقوبة طويلة.
اتهامات رقمية وحكم بالسجن 15 عامًا
وفقًا لما وثقته منظمة «هيومن رايتس ووتش»، استندت النيابة السعودية إلى تغريدات منشورة عبر حسابين مجهولي الهوية، زاعمة ارتباطهما بأرقام هواتف تعود إلى أبو لحوم. وتضمنت لائحة الاتهام مزاعم تتعلق بالردة والتجديف والترويج للإلحاد والإضرار بالقيم الدينية والنظام العام.
لكن الصحفي اليمني نفى علاقته بالحسابات والتغريدات المنسوبة إليه، ما يجعل إثبات ملكيته للحسابات ومسؤوليته عن محتواها مسألة جوهرية في القضية، خصوصًا في ظل العقوبة المشددة التي صدرت بحقه.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2021، حكمت محكمة نجران بسجنه 15 عامًا، منها عشر سنوات بموجب العقوبة التعزيرية، وخمس سنوات استنادًا إلى نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية. وأيّدت محكمة الاستئناف الحكم في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، بينما أكدت تقارير حقوقية خلال عام 2026 استمراره خلف القضبان دون الإفراج عنه.
محاكمة شابتها انتهاكات جسيمة
لم تقتصر المخاوف الحقوقية على طبيعة الاتهامات، بل امتدت إلى الإجراءات التي سبقت صدور الحكم.
فبحسب «هيومن رايتس ووتش»، لم يتمكن أبو لحوم من الاستعانة بمحامٍ خلال الفترة الأولى من احتجازه واستجوابه، ولم يُسمح لعائلته بتوكيل محامٍ إلا بعد نحو شهر من الاعتقال.
كما نقلت المنظمة عن مصدر مطلع أن اعترافًا استندت إليه النيابة انتُزع تحت الضغط، بعدما هُدد الصحفي بإمكانية توجيه اتهامات إلى زوجته إذا رفض التوقيع عليه. وقد تراجع أبو لحوم عن ذلك الاعتراف أمام المحكمة.
والأخطر أن المحكمة أصدرت حكمها دون الاستماع إلى شهود الدفاع الذين طلب محاميه استدعاءهم، ما يثير تساؤلات جدية بشأن احترام حقه في الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة.
وترى منظمة «معًا من أجل العدالة» أن هذه الانتهاكات تستوجب مراجعة قضائية مستقلة، لا سيما أن الحكم يقوم على محتوى رقمي ينفي المتهم مسؤوليته عنه، بينما تظل سلامة إجراءات جمع الأدلة وانتزاع الاعترافات محل اعتراض حقوقي واضح.
صحفي يمني يدفع ثمن غياب ضمانات العدالة
تكشف قضية علي أبو لحوم جانبًا آخر من القيود المفروضة على حرية التعبير في السعودية، التي لا تقتصر آثارها على المواطنين السعوديين، بل تمتد إلى الصحفيين والمقيمين من جنسيات أخرى.
وتؤكد المنظمة أن اتهام شخص بالتعبير عن آراء دينية أو فكرية، حتى إذا ثبتت نسبتها إليه، لا يبرر تجريمه أو فرض عقوبة بالسجن عليه لمجرد ممارسته السلمية لحرية الفكر والمعتقد والتعبير.
كما أن وجود اتهامات تتعلق بحسابات إلكترونية مجهولة يفرض على السلطات عبئًا واضحًا لإثبات المسؤولية الفردية من خلال أدلة يمكن فحصها والطعن فيها، وضمان عدم استخدام الاعترافات المنتزعة بالإكراه أو القيود على الدفاع أساسًا للإدانة.
وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على اعتقاله، لا تزال قضية أبو لحوم تمثل مصدر قلق بالغ بشأن أوضاع الصحفيين الأجانب داخل المملكة، ومدى تمتعهم بالحماية القانونية اللازمة عند مواجهتهم اتهامات تتعلق بالتعبير الرقمي.
مطالبات بالإفراج والمساءلة
تجدد منظمة «معًا من أجل العدالة» مطالبتها السلطات السعودية بإسقاط الحكم الصادر بحق علي محسن أبو لحوم، والإفراج الفوري وغير المشروط عنه، وتعويضه عن الأضرار التي لحقت به نتيجة احتجازه.
كما تطالب بمراجعة مستقلة وشفافة لجميع الإجراءات القضائية التي اتُخذت بحقه، والتحقيق في مزاعم الإكراه والتهديد أثناء الاستجواب، وضمان تمكينه من التواصل المنتظم مع أسرته ومحاميه والحصول على جميع حقوقه الأساسية.
وتدعو المنظمة نقابة الصحفيين اليمنيين والاتحادات الصحفية الدولية والمنظمات الحقوقية إلى إبقاء قضيته حاضرة أمام الرأي العام، والعمل من أجل إنهاء احتجازه.
إن الحكم بالسجن 15 عامًا على صحفي بسبب تغريدات ينفي كتابتها لا يمكن أن يصبح أمرًا عاديًا بمرور السنوات. فكل عام جديد يقضيه علي أبو لحوم خلف القضبان يعيد طرح السؤال نفسه: كيف يمكن أن يُحرم إنسان من حريته لمدة خمسة عشر عامًا في قضية تلاحقها كل هذه الشكوك والانتهاكات؟
خمسة أعوام مضت بالفعل من حياته في السجن، ولا ينبغي أن يتحول الصمت الدولي إلى قبول باستمرار معاناته.



