السعودية تحتجز يحيى الوادعي ست سنوات إضافية بعد انتهاء حكمه
تواصل السلطات السعودية احتجاز الناشط الشاب يحيى الوادعي رغم انتهاء مدة محكوميته منذ أكثر من ست سنوات، في انتهاك صارخ لحريته وتحويل واضح لعقوبة محددة المدة إلى احتجاز مفتوح لا يستند إلى حكم قضائي معلن.
اعتُقل الوادعي مطلع عام 2013 على خلفية نشاطه السلمي عبر منصة «تويتر»، حيث طالب بالإفراج عن معتقلي الرأي وتفاعل مع قضايا حقوقية عامة. لم تتضمن أنشطته، بحسب المعلومات المنشورة عن قضيته، دعوة إلى العنف أو تحريضًا عليه؛ بل اقتصرت على التعبير السلمي والتضامن مع أشخاص محتجزين بسبب آرائهم.
ومع ذلك، تعاملت السلطات مع نشاطه الحقوقي باعتباره تهديدًا أمنيًا، فاعتقلته وأخضعته لمسار قضائي افتقر إلى الشفافية والضمانات الضرورية للمحاكمة العادلة. وتشير المعلومات الحقوقية المتاحة إلى أن قضيته أُحيلت إلى المحكمة الجزائية المتخصصة، وهي المحكمة التي طالما استُخدمت قوانين الإرهاب والجرائم الإلكترونية أمامها لملاحقة النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان وأصحاب الآراء المعارضة.
أكثر من ست سنوات من الاحتجاز خارج نطاق الحكم
كان يفترض أن يستعيد يحيى الوادعي حريته منذ أكثر من ست سنوات بعد إتمام مدة العقوبة الصادرة بحقه. إلا أن السلطات امتنعت عن إطلاق سراحه، من دون الإعلان عن حكم جديد أو تقديم مبرر قانوني واضح لاستمرار احتجازه.
وبذلك، يكون الوادعي قد أمضى أكثر من 13 عامًا خلف القضبان منذ اعتقاله، بينها ما يزيد على ست سنوات بعد انتهاء محكوميته. وهذه السنوات الإضافية ليست تنفيذًا لعقوبة قضائية، بل حرمان مستمر من الحرية خارج الحدود الزمنية للحكم الصادر بحقه.
إن انتهاء مدة العقوبة يُسقط أي أساس قانوني لاستمرار احتجاز السجين. ولا تملك أي جهة أمنية أو إدارية صلاحية تمديد السجن بصورة سرية أو مفتوحة، بعيدًا عن القضاء وحقوق الدفاع. واستمرار احتجاز الوادعي على هذا النحو يمثل عمليًا عقوبة ثانية لم تصدر بها محكمة، ولم تتح له فرصة الطعن فيها أو الدفاع عن نفسه أمامها.
كما يكشف هذا الوضع أن السلطات لا تحترم حتى الأحكام الصادرة عن منظومتها القضائية. فإذا كان السجين قد نفذ العقوبة كاملة، ثم ظل محتجزًا سنوات بعدها، تصبح مدة الحكم بلا قيمة، ويتحول الإفراج من حق واجب التنفيذ إلى قرار أمني غير خاضع للقانون.
معاقبة التضامن السلمي
تكمن الخطورة الأساسية في قضية يحيى الوادعي في أن سبب اعتقاله يرتبط بممارسته حقه في التعبير السلمي ومطالبته بالإفراج عن معتقلي الرأي. وهي أفعال محمية بموجب المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، ولا يجوز تحويلها إلى جرائم أمنية أو استخدامها مبررًا لسلب الحرية.
إن تجريم المطالبة بحقوق المعتقلين لا يستهدف صاحب الرأي وحده، بل يبعث برسالة ترهيب إلى المجتمع بأكمله: الحديث عن المعتقلين قد يقود إلى الاعتقال، والتضامن معهم قد يجعل المتضامن واحدًا منهم.
ويبدو أن استمرار احتجاز الوادعي بعد انتهاء محكوميته يهدف إلى مضاعفة هذه الرسالة العقابية. فالسلطات لم تكتف بسجنه بسبب تغريدات ومواقف سلمية، بل أبقته خلف القضبان سنوات إضافية، في إجراء تعسفي لا يمكن تبريره بأي مقتضيات أمنية مشروعة.
نمط يتجاوز حالة فردية
لا يمكن فصل قضية يحيى الوادعي عن نمط أوسع في السعودية، يتمثل في تأخير الإفراج عن عدد من معتقلي الرأي بعد انتهاء أحكامهم، أو إخضاعهم لقيود تعسفية، أو إعادة محاكمتهم وإصدار عقوبات جديدة بحقهم.
ويؤدي هذا النهج إلى تحويل السجن إلى أداة لإقصاء الأصوات المنتقدة لأجل غير معلوم. كما يضع المعتقل وعائلته في حالة دائمة من القلق، إذ لا يعود انتهاء الحكم ضمانة للحرية، ولا يصبح بإمكان الأسرة معرفة الموعد الحقيقي لعودة ابنها.
وتترتب على هذا الاحتجاز الممتد آثار إنسانية جسيمة. فقد حُرم الوادعي من أكثر من عقد من حياته، ومن أسرته وعمله ومستقبله، بينما استمرت معاناة عائلته سنوات طويلة من دون تفسير قانوني مقنع. وكل يوم إضافي يقضيه في السجن بعد انتهاء محكوميته يفاقم الانتهاك ويضاعف مسؤولية الجهات التي تأمر باستمرار احتجازه أو تسمح به.
انتهاك واضح للمعايير الحقوقية
يحظر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الاعتقال والاحتجاز التعسفيين، ويضمن لكل إنسان الحق في الحرية والأمان وحرية الرأي والتعبير والمحاكمة العادلة. كما تفرض مبادئ سيادة القانون الإفراج الفوري عن أي شخص انتهى الأساس القضائي لاحتجازه.
ولا تستطيع السلطات تبرير سجن إنسان بعد انقضاء عقوبته بمجرد الصمت عن وضعه القانوني. بل يقع عليها واجب الكشف عن الجهة التي أمرت باستمرار احتجازه، والأساس القانوني المزعوم لهذا القرار، وتمكينه من التواصل المنتظم مع أسرته ومحاميه والطعن في قانونية احتجازه أمام قضاء مستقل.
وتتحمل السلطات السعودية المسؤولية الكاملة عن سلامة يحيى الوادعي الجسدية والنفسية، وعن الأضرار التي لحقت به وبأسرته خلال سنوات الاحتجاز الإضافية.
مطالب عاجلة
تدعو معًا من أجل العدالة السلطات السعودية إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن يحيى الوادعي، بعد أن أتم محكوميته منذ سنوات، وإسقاط أي قيود أو تدابير انتقامية مرتبطة بتعبيره السلمي عن آرائه.
كما تطالب بما يلي:
- الكشف الكامل عن وضعه القانوني الحالي والأساس الذي استُخدم لإبقائه محتجزًا بعد انتهاء حكمه.
- تمكينه من الاتصال المنتظم والآمن بأسرته ومحاميه، وضمان حصوله على الرعاية الصحية اللازمة.
- فتح تحقيق مستقل في استمرار احتجازه خارج مدة الحكم ومحاسبة المسؤولين عنه.
- منحه تعويضًا عادلًا عن سنوات الحرمان غير القانوني من الحرية والأضرار المادية والنفسية المترتبة عليها.
- وقف استخدام المحكمة الجزائية المتخصصة وقوانين الإرهاب والجرائم الإلكترونية لمعاقبة التعبير السلمي والعمل الحقوقي.
- الإفراج عن جميع معتقلي الرأي، بمن فيهم من انتهت أحكامهم ولا يزالون محتجزين تعسفيًا.
كما ندعو الأمم المتحدة والحكومات ذات العلاقة مع السعودية والمنظمات الحقوقية الدولية إلى إثارة قضية الوادعي بصورة مباشرة وعلنية، وعدم الاكتفاء بالمطالبات العامة التي لم تنهِ احتجازه الممتد.
لم يعد السؤال في قضية يحيى الوادعي متعلقًا بموعد انتهاء العقوبة؛ فقد انتهت منذ أكثر من ست سنوات. السؤال الحقيقي هو: كيف يُحتجز إنسان كل هذه المدة من دون حكم نافذ يجيز استمرار سجنه؟
كل يوم جديد يمضيه يحيى الوادعي خلف القضبان هو انتهاك مستقل لا يمكن تبريره. وقد آن الأوان لإطلاق سراحه وإعادة حقه المسلوب في الحرية.



