أُفرج عن إسراء الغمغام وبقي زوجها موسى الهاشم رهن حكم بالسجن 17 عامًا
بعد نحو أحد عشر عامًا من اعتقاله، لا يزال الناشط السعودي موسى الهاشم خلف القضبان، يقضي حكمًا بالسجن لمدة 17 عامًا بسبب مشاركته في مظاهرات سلمية وتوثيقها في محافظة القطيف بالمنطقة الشرقية.
اعتُقل الهاشم مع زوجته، الناشطة الحقوقية إسراء الغمغام، في 6 ديسمبر/كانون الأول 2015، عقب مداهمة قوات الأمن منزلهما. وفي أغسطس/آب 2026 أفرجت السلطات عن الغمغام بعد سنوات طويلة من الاحتجاز، بينما بقي زوجها في السجن يعاني ظروفًا صحية قاسية، رغم أن القضية التي جمعتهما قامت أساسًا على نشاط سلمي ومطالب حقوقية مشروعة.
إن استمرار احتجاز موسى الهاشم بعد الإفراج عن زوجته يعيد تسليط الضوء على واحدة من القضايا التي استخدمت فيها السلطات السعودية المحكمة الجزائية المتخصصة وقوانين الإرهاب والجرائم الإلكترونية لمعاقبة التظاهر السلمي والتوثيق والنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
نشاط سلمي في القطيف
شارك موسى الهاشم وإسراء الغمغام في المظاهرات السلمية التي شهدتها القطيف والمنطقة الشرقية خلال عامي 2011 و2012. وطالب المتظاهرون بإنهاء التمييز ضد المواطنين الشيعة، والإفراج عن المعتقلين، وتحقيق العدالة والمساواة وتوسيع الحقوق المدنية والسياسية.
كان دور الهاشم مرتبطًا بالمشاركة في هذه التحركات وتوثيقها، في وقت كانت فيه السلطات تفرض قيودًا مشددة على التغطية الإعلامية المستقلة للأحداث في المنطقة الشرقية. ولم يكن تصوير المظاهرات أو نشر المعلومات عنها عملًا عنيفًا، بل ممارسة للحق في حرية التعبير ونقل المعلومات وتوثيق الانتهاكات.
وأشارت منظمات حقوقية إلى أن النشاط المنسوب إلى الهاشم وزوجته كان سلميًا، وأنهما التزما بالعمل غير العنيف والدعوة إلى الإصلاح. وتؤكد المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب أنهما كانا يدعوان إلى تغيير سلمي عندما استهدفتهما السلطات بالاعتقال عام 2015.
مداهمة المنزل واعتقال الزوجين
في 6 ديسمبر/كانون الأول 2015، داهم عناصر من أجهزة أمن الدولة منزل الزوجين في القطيف واعتقلوهما من دون سابق إنذار، قبل نقلهما إلى سجن المباحث بالدمام.
أصبح اعتقالهما جزءًا من حملة أوسع استهدفت المشاركين في حراك القطيف والمدافعين عن حقوق أبناء الطائفة الشيعية. وبدلًا من التعامل مع مطالب المحتجين باعتبارها قضايا حقوقية وسياسية، أعادت السلطات توصيفها بوصفها تهديدات أمنية وأعمالًا إرهابية.
ظل الزوجان محتجزين فترة طويلة قبل بدء المحاكمة. ولم تبدأ جلسات القضية أمام المحكمة الجزائية المتخصصة إلا في أغسطس/آب 2018، أي بعد أكثر من عامين ونصف من اعتقالهما. وخلال المراحل الأولى من الاحتجاز، حُرما من الوصول الفعلي إلى محامٍ ومن ضمانات الدفاع الأساسية.
مطالب سلمية تحولت إلى تهم إرهابية
حاكمت السلطات موسى الهاشم وإسراء الغمغام مع مجموعة من نشطاء القطيف في قضية جماعية أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، وهي محكمة أُنشئت أصلًا للنظر في قضايا الإرهاب، ثم أصبحت من أبرز أدوات ملاحقة أصحاب الرأي والنشطاء السلميين.
شملت الاتهامات الواردة في القضية المشاركة في المظاهرات والتحريض عليها، وترديد شعارات معارضة للسلطات، وتصوير الاحتجاجات، ونشر المقاطع والصور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمشاركة في تشييع قتلى سقطوا خلال المواجهات الأمنية، ومحاولة «التأثير في الرأي العام».
كما استخدمت النيابة عبارات فضفاضة مثل الانضمام إلى كيان يسعى إلى إحداث الفوضى والاضطراب، وتقديم «الدعم المعنوي» للمحتجين. وهي اتهامات لا تشير، في جوهرها، إلى ارتكاب جريمة عنيفة، بل إلى التعبير عن الرأي والمشاركة في التجمعات وتوثيقها.
وأكدت منظمات حقوقية أن الأحكام الصادرة في القضية استندت إلى النشاط عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمشاركة في الاحتجاجات، بما في ذلك تطبيق المادة السادسة من نظام مكافحة جرائم المعلوماتية.
إن تحويل التصوير والنشر والتظاهر السلمي إلى جرائم أمنية يكشف كيف تستخدم السلطات التشريعات الفضفاضة لمنع توثيق الاحتجاجات وعزل المناطق التي تشهد انتهاكات عن الرأي العام.
النيابة طالبت بإعدامه
لم تكتف النيابة العامة بالمطالبة بسجن موسى الهاشم، بل طلبت في بداية المحاكمة إعدامه مع عدد من المتهمين الآخرين.
كانت عقوبة الإعدام مطلوبة على خلفية أفعال مرتبطة بالمظاهرات والنشر والتوثيق، لا بسبب جريمة قتل أو فعل عنيف. وأثارت هذه المطالبات حملة دولية واسعة، خصوصًا بعدما أصبحت إسراء الغمغام أول ناشطة سعودية تواجه احتمال الإعدام بسبب احتجاجات سلمية.
وفي عام 2019 تراجعت النيابة عن مطالبتها بإعدام الغمغام تحت وطأة الضغوط الدولية. لكن خطر الإعدام ظل قائمًا في مراحل من القضية بالنسبة إلى موسى الهاشم ومتّهمين آخرين، قبل أن تصدر المحكمة بحقه حكمًا طويلًا بالسجن.
إن مجرد مطالبة الادعاء بإعدام أشخاص بسبب المشاركة في مظاهرات وتصويرها يُظهر حجم الخلل في القضية، ويؤكد أن الهدف لم يكن محاسبة مرتكبي جرائم عنيفة، بل ترهيب مجتمع كامل ومنع تكرار الاحتجاجات.
حكم بالسجن 17 عامًا بعد محاكمة جائرة
في 10 فبراير/شباط 2021، أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة حكمًا بسجن موسى الهاشم لمدة 17 عامًا. وفي القضية نفسها، صدرت أحكام متفاوتة بحق إسراء الغمغام وعدد من نشطاء القطيف الآخرين.
وثقت منظمات حقوقية أن المحاكمة افتقرت إلى الحد الأدنى من ضمانات العدالة، وأن المتهمين واجهوا صعوبات في الحصول على تمثيل قانوني فعال والاطلاع الكامل على ملفاتهم وإعداد دفاعهم. كما أُجريت جلسات في غياب بعض المتهمين، وظلت أجزاء مهمة من الإجراءات بعيدة عن الرقابة العامة.
وبحسب مركز الخليج لحقوق الإنسان، افتقرت محاكمة موسى الهاشم وإسراء الغمغام إلى المعايير القانونية والإنسانية اللازمة، في ظل غياب الأدلة التي تثبت الاتهامات ومنعهما من الدفاع عن نفسيهما من خلال محامٍ.
ولا يمكن اعتبار حكم بالسجن 17 عامًا متناسبًا مع المشاركة في مظاهرة سلمية أو تصويرها أو نشر معلومات عنها. بل يمثل عقوبة انتقامية تهدف إلى جعل التوثيق نفسه جريمة، وإرسال رسالة إلى أي شخص قد يحاول كشف ما يجري في المنطقة الشرقية.
ظروف صحية قاسية خلف القضبان
لا يزال موسى الهاشم محتجزًا رغم مرور قرابة أحد عشر عامًا على اعتقاله. وتشير أحدث المعلومات الحقوقية المنشورة إلى أنه يعاني أوضاعًا صحية قاسية، ما يثير مخاوف جدية بشأن حصوله على الرعاية الطبية المناسبة وظروف احتجازه الحالية.
ويزيد غياب المعلومات المستقلة والمنتظمة عن حالته من خطورة وضعه. فالسلطات مسؤولة عن سلامته الجسدية والنفسية، وعن توفير العلاج اللازم له من دون تأخير أو تمييز، وتمكينه من التواصل المنتظم والآمن مع أسرته ومحاميه.
ولا يجوز استخدام الحرمان من الرعاية الطبية أو القيود على الزيارات والاتصالات وسيلة إضافية للعقاب. كما يجب السماح لجهة مستقلة بزيارته وتقييم حالته الصحية وظروف احتجازه.
إسراء خرجت وموسى بقي
في 6 أغسطس/آب 2026، أفرجت السلطات السعودية عن إسراء الغمغام بعد أكثر من عشر سنوات ونصف خلف القضبان. إلا أن الإفراج عنها لم يشمل زوجها، الذي بقي محتجزًا تحت حكم السجن لمدة 17 عامًا.
كان يفترض أن يمثل الإفراج عن الغمغام خطوة نحو إنهاء الظلم الذي طال الزوجين منذ عام 2015، لا أن يترك موسى الهاشم وحيدًا في السجن بسبب النشاط السلمي نفسه.
ولا يوجد مبرر حقوقي لاستمرار احتجازه. فإذا كانت السلطات قد أفرجت عن زوجته التي حوكمت في القضية نفسها، فإن الإصرار على إبقائه خلف القضبان يكشف الطابع التعسفي والانتقامي للعقوبة الصادرة بحقه.
كما أن الإفراج عن أحد ضحايا القضية لا يمحو سنوات الاحتجاز غير العادل، ولا يصحح المحاكمة التي افتقرت إلى الضمانات الأساسية، ولا يعفي السلطات من مسؤوليتها عن بقية المعتقلين.
تدين معًا من أجل العدالة استمرار احتجاز موسى الهاشم، وتؤكد أن مشاركته في مظاهرات سلمية وتصويرها ونشر المعلومات عنها لا تمثل جرائم تبرر سجنه 17 عامًا.
وتطالب المنظمة السلطات السعودية بـ:
- الإفراج الفوري وغير المشروط عن موسى الهاشم وإلغاء الحكم الصادر بحقه.
- إسقاط جميع التهم المرتبطة بمشاركته السلمية في الاحتجاجات أو توثيقها أو النشر عنها.
- الكشف عن وضعه الصحي الحالي وتمكينه من الحصول على فحص وعلاج طبي مستقلين.
- السماح له بالتواصل المنتظم والآمن مع أسرته ومحامٍ يختاره بنفسه.
- فتح تحقيق مستقل في الانتهاكات التي تعرض لها منذ اعتقاله وفي حرمانه من ضمانات المحاكمة العادلة.
- إلغاء الأحكام والقيود المفروضة على جميع المتهمين بسبب نشاطهم السلمي في القضية نفسها.
- وقف استخدام المحكمة الجزائية المتخصصة وقوانين الإرهاب والجرائم الإلكترونية لمعاقبة التظاهر والتوثيق والتعبير السلمي.
كما تدعو معًا من أجل العدالة الأمم المتحدة والحكومات والمنظمات الحقوقية الدولية إلى إثارة قضية موسى الهاشم بصورة عاجلة، والضغط على السلطات السعودية من أجل إطلاق سراحه وضمان حصوله على الرعاية الطبية اللازمة.
لقد خرجت إسراء الغمغام من السجن، لكن القضية لم تنتهِ. فما دام موسى الهاشم محتجزًا، يظل الظلم الذي بدأ بمداهمة منزلهما في ديسمبر/كانون الأول 2015 قائمًا.
بعد قرابة أحد عشر عامًا خلف القضبان، حان وقت الإفراج عن موسى الهاشم. تصوير مظاهرة سلمية ليس جريمة، والمطالبة بالحقوق لا تبرر سرقة 17 عامًا من حياة إنسان.



