مريم آل قيصوم: خمسون عامًا من العقاب بسبب العمل الحقوقي في السعودية
تقضي الناشطة السعودية مريم آل قيصوم حكمًا بالسجن لمدة 25 عامًا، يعقبه منع من السفر لمدة مماثلة، على خلفية نشاطها الحقوقي ودفاعها عن حقوق أبناء الطائفة الشيعية في السعودية. ويعني ذلك أن السلطات فرضت عليها نصف قرن من السجن وتقييد الحرية بسبب نشاط سلمي لم يتضمن عنفًا أو تحريضًا عليه.
اعتُقلت آل قيصوم في فبراير/شباط 2019، ولا تزال محتجزة في سجن المباحث بالدمام. وعلى الرغم من مرور أكثر من سبع سنوات ونصف على اعتقالها، لا تزال السلطات تحيط قضيتها بسرية شديدة؛ فلا تتوافر لائحة اتهام معلنة، ولا تفاصيل شفافة عن المحاكمة أو الأدلة التي استند إليها هذا الحكم الاستثنائي.
الاعتقال من العوامية
تنحدر مريم آل قيصوم من بلدة العوامية بمحافظة القطيف في المنطقة الشرقية. ووفق المعلومات المنشورة وقت اعتقالها، داهمت قوات الأمن في 7 فبراير/شباط 2019 المنزل الذي كانت موجودة فيه، واعتقلتها قبل اقتيادها إلى سجن المباحث بالدمام
جاء اعتقالها ضمن حملة أوسع طالت عددًا من النشطاء والناشطات في القطيف، وفي سياق اتسم بتوسيع الملاحقات الأمنية ضد الأصوات المطالبة بالحقوق المدنية والمساواة وحرية التعبير والمعتقد.
وتشير البيانات المتاحة إلى أن نشاط مريم آل قيصوم انصب على الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق أبناء الطائفة الشيعية في السعودية. وقد أدرجتها اللجنة الأميركية للحريات الدينية الدولية ضمن قاعدة بيانات ضحايا انتهاكات حرية الدين أو المعتقد، موضحة أنها اعتُقلت بسبب نشاطها الحقوقي المتعلق بحقوق الأقلية الشيعية.
لم تعلن السلطات السعودية عن أي نشاط عنيف نُسب إليها، كما لم تنشر معلومات تثبت ارتكابها جريمة معترفًا بها دوليًا. وما هو معروف عن قضيتها يشير إلى نشاط حقوقي ومدني سلمي، حوّلته الأجهزة الأمنية إلى ملف جنائي انتهى بعقوبة تمتد آثارها خمسين عامًا.
أربع سنوات بلا حكم
ظلت مريم آل قيصوم محتجزة لأكثر من أربع سنوات قبل صدور الحكم بحقها في مارس/آذار 2023. وتمثل هذه المدة الطويلة قبل الحكم انتهاكًا لحقها في المحاكمة خلال فترة معقولة، كما تثير أسئلة خطيرة عن الأساس القانوني لاحتجازها طوال تلك السنوات.
لا تتوافر معلومات علنية كافية حول موعد بدء محاكمتها أو عدد جلساتها أو المحكمة التي نظرت قضيتها أو مضمون دفاعها. كما لا توجد لائحة اتهام منشورة يمكن من خلالها تقييم ما إذا كانت الأفعال المنسوبة إليها تمثل جرائم حقيقية أم أنها مجرد ممارسة لحرية التعبير والعمل الحقوقي.
وتؤكد اللجنة الأميركية للحريات الدينية الدولية أن طبيعة التهم الموجهة إليها لا تزال غير معروفة علنًا، على الرغم من صدور حكم بسجنها 25 عامًا. هذا الغموض ليس تفصيلًا ثانويًا، بل يمثل في حد ذاته مؤشرًا خطيرًا إلى غياب الشفافية وحرمان الرأي العام من مراقبة عدالة الإجراءات القضائية.
فلا يمكن اعتبار المحاكمة عادلة عندما تحجب السلطات التهم والأدلة وتفاصيل الجلسات، بينما تصدر حكمًا يقضي فعليًا بإهدار عقود من حياة إنسانة بسبب نشاطها في المجال العام.
25 عامًا في السجن و25 عامًا أخرى تحت الحصار
في مارس/آذار 2023، صدر بحق مريم آل قيصوم حكم بالسجن لمدة 25 عامًا، يعقبه منع من السفر لمدة 25 عامًا أخرى. وهي لا تزال محتجزة في سجن المباحث بالدمام ولم يُفرج عنها.
لا ينتهي العقاب، وفق هذا الحكم، عند خروجها من السجن. فالمنع من السفر لمدة مماثلة يعني إخضاعها لعقوبة أخرى تمتد ربع قرن، تحرمها من مغادرة البلاد واختيار مكان إقامتها وزيارة أفراد أسرتها أو طلب العلاج والتعليم والعمل في الخارج.
وبذلك، لا يمثل الحكم عقوبة بالسجن فحسب، بل مشروعًا لمصادرة معظم سنوات حياتها والسيطرة على حركتها حتى بعد انتهاء المحكومية. فالسلطات تريد أن تظل الناشطة تحت العقاب والمراقبة حتى بعد خروجها من الزنزانة.
ويكشف هذا الحكم مدى اختلال التناسب بين طبيعة النشاط المعروف عنها وبين العقوبة المفروضة عليها. فإذا كانت السلطات تملك دليلًا على ارتكاب جريمة عنيفة، فمن واجبها إعلانه وإتاحة محاكمة علنية تستوفي ضمانات العدالة. أما سجن ناشطة 25 عامًا مع إبقاء الاتهامات والتفاصيل طي السرية، فلا يمكن فصله عن سياسة ترهيب المدافعين عن الحقوق وإسكاتهم.
السجن بسبب الدفاع عن أقلية دينية
تحمل قضية مريم آل قيصوم بعدًا إضافيًا يتعلق بالتمييز الطائفي. فنشاطها، وفق المعلومات الحقوقية المنشورة، ارتبط بالدفاع عن حقوق الشيعة في السعودية، في وقت يعاني فيه أبناء الطائفة من قيود وتمييز في عدد من المجالات الدينية والمدنية والسياسية.
إن الدفاع عن حقوق جماعة دينية أو المطالبة بالمساواة بين المواطنين لا يشكل جريمة. كما أن الانتقاد السلمي للتمييز أو المطالبة بإصلاحات سياسية واجتماعية يدخلان ضمن الحقوق الأساسية في حرية الرأي والتعبير والدين والمعتقد والمشاركة في الشأن العام.
غير أن السلطات السعودية كثيرًا ما تتعامل مع المطالب الحقوقية الصادرة من المنطقة الشرقية باعتبارها تهديدًا أمنيًا، وتستخدم قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية والاتهامات الفضفاضة المتعلقة بأمن الدولة لمعاقبة النشطاء بدل التعامل مع مطالبهم باعتبارها قضايا حقوقية مشروعة.
وفي حالة آل قيصوم، يجعل غياب التهم المعلنة من المستحيل التحقق من الأساس القانوني للحكم، لكنه يعزز المخاوف من أن هويتها الدينية ونشاطها دفاعًا عن مجتمعها كانا عنصرين رئيسيين في استهدافها.
أي تمكين للمرأة بينما تُسجن الناشطات؟
تتناقض قضية مريم آل قيصوم بصورة مباشرة مع الخطاب الرسمي السعودي عن تمكين النساء وتوسيع مشاركتهن في الحياة العامة. فالتمكين لا يعني السماح للمرأة بالمشاركة في المجالات التي تحددها السلطة فقط، بينما تُسجن إذا عبّرت عن موقف مستقل أو طالبت بحقوق سياسية ومدنية ودينية.
ولا يمكن قياس وضع النساء بعدد الوظائف أو التغييرات الاجتماعية المعلنة وحدها، مع تجاهل الناشطات اللواتي يقضين أحكامًا طويلة بسبب آرائهن. فالاختبار الحقيقي لأي إصلاح هو قدرة المرأة على الحديث والمطالبة بالحقوق وانتقاد السياسات من دون أن تواجه المداهمة والاختفاء داخل السجون والمحاكمة السرية.
ويمثل الحكم الصادر بحق آل قيصوم رسالة تهديد إلى النساء السعوديات عمومًا، وإلى نساء المنطقة الشرقية خصوصًا، مفادها أن المشاركة المستقلة في الشأن العام قد تقود إلى فقدان الحرية لعقود.
سجن المباحث وغياب المعلومات
تؤكد المعلومات المتاحة أن مريم آل قيصوم محتجزة في سجن المباحث بالدمام، وهو مرفق تابع للأجهزة الأمنية ويُحتجز فيه عدد من معتقلي الرأي والقضايا السياسية والأمنية.
ويزيد غياب المعلومات المستقلة عن ظروف احتجازها من المخاوف المتعلقة بسلامتها الجسدية والنفسية، ووصولها إلى الرعاية الصحية، وقدرتها على التواصل المنتظم والآمن مع أسرتها ومحاميها.
وتتحمل السلطات السعودية المسؤولية الكاملة عن سلامتها. كما يقع عليها واجب الكشف عن ظروف احتجازها ووضعها الصحي، وضمان عدم تعرضها للحبس الانفرادي أو سوء المعاملة أو الحرمان من العلاج والاتصال بالعالم الخارجي.
انتهاكات متعددة لا حكم واحد
لا تقتصر الانتهاكات في قضية مريم آل قيصوم على قسوة الحكم، بل تشمل كذلك الاعتقال بسبب نشاط سلمي، والاحتجاز المطول قبل صدور الحكم، وغياب الشفافية، وعدم إعلان التهم، والمخاوف بشأن ضمانات الدفاع، ثم فرض منع من السفر يمتد 25 عامًا إضافيًا.
وتنتهك هذه الممارسات حقوقها في الحرية والأمان الشخصي، وحرية الرأي والتعبير، وحرية الدين أو المعتقد، والمحاكمة العادلة والعلنية، وحرية التنقل.
كما أن منع السفر ليس إجراءً إداريًا بسيطًا، بل عقوبة تمس الحياة الأسرية والشخصية والمهنية، ولا يجوز استخدامها لتقييد المدافعين عن حقوق الإنسان بعد انتهاء أحكامهم.
مطالب عاجلة
تدين معًا من أجل العدالة استمرار احتجاز مريم آل قيصوم، وتطالب السلطات السعودية بالإفراج الفوري وغير المشروط عنها، وإلغاء حكم السجن ومنع السفر الصادرين بحقها، وإسقاط جميع التهم المرتبطة بنشاطها الحقوقي السلمي.
كما تطالب بـ:
- نشر لائحة الاتهام والحكم الصادر بحقها وكامل المعلومات المتعلقة بإجراءات محاكمتها.
- تمكينها فورًا من التواصل المنتظم والآمن مع أسرتها ومحامٍ تختاره بنفسها.
- ضمان حصولها على الرعاية الصحية اللازمة والسماح بزيارة مستقلة للتحقق من ظروف احتجازها.
- فتح تحقيق مستقل في قانونية اعتقالها واحتجازها المطول وأي انتهاكات تعرضت لها منذ فبراير/شباط 2019.
- وقف استخدام منع السفر بوصفه عقوبة إضافية ضد النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان.
- إنهاء الملاحقات القائمة على الهوية الدينية أو الدفاع عن حقوق الأقليات، وضمان المساواة الكاملة لجميع المواطنين.
- الإفراج عن جميع النساء المحتجزات بسبب التعبير السلمي والعمل الحقوقي.
وتدعو معًا من أجل العدالة الأمم المتحدة وآلياتها الخاصة والاتحاد الأوروبي والحكومات التي تربطها علاقات سياسية واقتصادية بالسعودية إلى إثارة قضية مريم آل قيصوم بصورة مباشرة، والمطالبة بإعلان تفاصيل محاكمتها وإنهاء احتجازها.
إن الحكم على مريم آل قيصوم بالسجن 25 عامًا ثم منعها من السفر 25 عامًا أخرى ليس عدالة، بل محاولة لمصادرة حياتها كاملة بسبب دفاعها عن حقوق الإنسان.
لا يمكن للسلطات السعودية أن تتحدث عن الإصلاح وتمكين المرأة بينما تقبع ناشطة في سجن المباحث، وسط سرية قضائية، وتواجه خمسين عامًا متصلة من السجن وتقييد الحرية. يجب إطلاق سراح مريم آل قيصوم فورًا وإلغاء جميع العقوبات المفروضة عليها بسبب نشاطها السلمي.



